27 يونيو، 2016

Review: قيد الفراشة

قيد الفراشة قيد الفراشة by شيرين سامي
My rating: 3 of 5 stars

ربما سيبدأ أحدهم -مثلي- قراءة الرواية وفي ذهنه "ليلى" "الباب المفتوح" أو "أمينة" "أنا حرة".. نموذج لفتاة في مقتبل العمر تتطلع إلى حريتها وسط قيودها الأسرية والمجتمعية وذلك بمحاولات الفهم والتمرد والتجربة والخطأ.. ولكن مع أولى صفحات الرواية نجد أن "عالية" امرأة مُتعلِّمة ناضجة، مسؤولة، زوجة وأم.. نقطة بداية رائعة ومختلفة وتبشر بالخير.. فبالتأكيد اختلف وضع المرأة كثيرًا واختلفت القيود والضغوط عليها عن ثلاثينيات "أمينة" وخمسينيات "ليلى".. ربما تمنيت أن أرى "عالية" امرأة العقد الثاني من الألفية الثانية وهي تبوح بما يجثم على صدرها في طلاقة وانطلاق أكثر.. ربما أردتها أكثر حرية واستقلالية وحتى حدة في ردود أفعالها.. وحقًا تمنيت أن تكون "مروة" هي الشخصية الرئيسة بكل هذا الثراء في تركيبتها وتماشيها مع امرأة عصرية، متزوجة، عاملة، أم، ومستقلة بالإضافة لميولها المثلية التي تكتشفها .. إلا أننا لا نستطيع التعديل على الكاتبة بالقطع، ولا نقصد هذا يقينًا.. كل ما هنالك أنها أمنيات قارئ كان يطمح في إلقاء الضوء على زوايا غائمة.
فكرة أن تكون ثورة يناير معادل موضوعي لثورة "عالية" فكرة جيدة.. ينقصها فقط أن تكون خطًا سرديًا متماشيًا ومتوازيًا مع الخط السردي "لعالية" منذ بداية الرواية، ثم متقاطعًا معه مع تطور الأحداث.
في الأخير.. هذه رواية جيدها لكاتبة أعتز بأنها من كاتبات هذا الجيل.. وأعرف مدى حرصها على تقديم عمل مهم وعدم اعتمادها على الاستسهال.


View all my reviews

23 فبراير، 2016

Review: فوكاليز

فوكاليز فوكاليز by نهى الماجد
My rating: 3 of 5 stars

فوكاليز.. "حاجة بين الغنا والصّريخ والكلام العادي بتاع كلّ يوم.. مش شرط تتفسّر هي إيه!.. المهم إن الصّوت بيطلع بوضوح وبقوة".. هكذا عرّفت الكاتبة نهى الماجد الـ "فوكاليز".. واختارته عنوانًا لمجموعتها القصصية، والحقيقة أنَّها كانت موفقة جدًا في اختيار هذا العنوان، فهو العنوان الأنسب على الإطلاق، ليس لأنه عنوان أقوى قصة في المجموعة، ولكن لسبب أهم من ذلك، وهو أن "الفوكاليز" حاضر بقوة في كلّ قصص المجموعة الخمس ويمثل حلقة وصل بينهم جميعًا، فهناك دائمًا أصوات حاضرة غير مفهومة ومجهولة المصدر أحيانًا، وأحيانًا أخرى هي أصوات معروفة ومفهومة.. كما أننا نجد صوت الرّاوي في مقدمة كلّ قصة من القصص مكتوبًا بالعامية، بعد جملة "يومًا ما قال/ت"، موجود أيضًا هذا الصّوت بين فقرات كلّ قصة من القصص، حيث يكون أشبه بالفضفضة التي تتخللها تساؤلات عدة.. ما شعرت به وأعتقد أن كلّ من سيقرأ المجموعة سيشعر به، هو أن القصص متصلة ببعضها، وأن هناك روابط تربطها جميعًا، ومحاور تتمركز حولها القصص، فبخلاف "الفوكاليز".. نجد أن الأبطال متشابهون.. لا نعرف عن ملامحهم ولا أعمارهم شيئًا إلا في "فوكاليز" حيث أن البطل في الثّلاثين من عمره، تصير ملامحه طفولية عند الغضب، وهو ما جعله يطلق لحيته.. وفي "شبَّاك أخضر" البطل في الخمسينيات.. قصير منمنم بتكوين طفل هزيل..، الأبطال جسدهم متهالك، رأسهم مشغول، قلوبهم لا تعمل وفي صراع مع العقل.. فالقلب كمثال تشبهه الكاتبة بالـ "عجينة حمراء" وهو تشبيه جديد أعجبني كثيرًا.. والقلب "زي الصّحرا".. "قلب ربما لا يعمل، وجسد يخدع دائمًا".. من صور تشابه الأبطال أن بطلة "فقدان مؤقت في الذَّاكرة" مثلًا.. لا تشعر بالوقت وتنسى الأحداث، وهو نفس حال البطل في "الحقائب السّوداء"، وفي "سِحر" تصبح البطلة خارج الزّمن بعد صلاتها في السّيدة زينب.. والبطلة في "سِحر" تحلم بوالدتها تمامًا كالبطل في "شبَّاك أخضر".. وفي "سِحر" نرى البطلة تريد التَّأكد من أنها على مازالت على قادرة على الحياة، وبوسعها إدراك مذاقات مختلفة، في "الحقائب السَّوداء" أيضًا يقوم البطل برحلة لنفس السَّبب، وفي "فوكاليز" تطرد البطلة البطل من أجل استعادة حياتها بينما يترك هو المنزل مرغمًا حتى يستطيع الحياة.. والحقيقة انني تساءلت في خاطري ماذا لو أن البطل في "شبَّاك أخضر" هو نفسه بطل "الحقائب السَّوداء"، وأن بطلة "سِحر" ربما هي بطلة "فقدان مؤقت في الذَّاكرة" نفسها، والتي من الجائز جدًا أن تكون هي الغريبة في "الحقائب السَّوداء"!!.. لم يأتِ هذا الخاطر وهذه التّساؤلات من فراغ وإنما كما أوضحت هناك روابط بين القصص، وهناك تشابهات بين أبطال هذه القصص، فكلّ الأبطال في حالة من "شبه الموت" ولكلّ منهم طريقته في أن يثبت لنفسه أنه مازال حيًا، ولهم أحلامهم / أساطيرهم الخاصة المستمرة، وربما ينتظرون أيضًا حدوث معجزتهم الخاصة.. وقد برعت الكاتبة في تصوير أحلام أبطالها في كثير من المشاهد.
هذا إلى جانب بعض عناصر التّشابه (أو لنقل عناصر التّرابط) التي تؤكد شعوري السَّابق، وسوف أتناول هذه العناصر بالتّفصيل، ولكن قبل ذلك يجب أن أهمس في أذن الكاتبة بفكرة خطرت لي وأراها مناسبة جدًا، وهي أن تجعل قصة "فوكاليز" في مقدمة المجموعة لأنها الأساس الذي بُنيت عليه باقي القصص.
هذه العناصر هي:
*الأصوات..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. البطلة تسمع صوت آتٍ من الأسفل، صوت مواء قطة، ولكنها تكتشف أنه مواء يخصها هي عينها!.. وتسمع أصوات اليمام والكروان بعد الفجر وهو ما يمثل لها الهدوء المنشود الذي تبحث عنه.. وتسمع أيضًا صوت الضَّجيج والزِّحام عند دخولها الحجرة وراء الرَّجل العجوز، سرعان ما استبدل بصوت سعال مفزع.. وفي النِّهاية هناك صوت مواء القط الشَّبيه بصوت تكات السَّاعة.
في "فوكاليز".. تعتقد البطلة بأن هناك أحاديث بين اللوحات والجدران.. وتسمع أصوات صراخ الحيتان في لوحتها وتشاركهم هي هذا الصُّراخ أحيانًا .. وللحيتان أصوات أخرى تسمعها البطلة عبارة عن صفير طويل ونحيب لا ينقطع، ربما لأنها تود التّحليق!.. "أصوات لا ينبغي أن تنطلق إلا من تكوينات هشة".. "تكوينات" مرادفة رأيتها غريبة في بادئ الأمر للتعبير عن الحيتان، وتساءلت لماذا لم تكتبها "كائنات"، ولكنني في النّهاية وجدتها انسب كثيرًا للتعبير عن الحيتان المرسومة في اللوحة، وهنا يجب أن أشيد باختيار الكاتبة لمرادفاتها.
وجيران أمّا البطل فيسمع أصوات الصّواريخ قبل محاولة انتحاره.
هناك أيضًا أصوات تأتي من خارج حجرة البطلين.. أصوات يسمعها البطل تشبه الصّراخ ولم تتوقف منذ أن أتى، أصوات تقترب وتبتعد ولا تتوقف، ثم تسمع البطلة صوت تكَّات شبيهة بتكَّات ساعة الحائط.. تكَّات عالية غير منتظمة تزداد وضوحًا كلّما اقترب منها البطل كقاطرة.. ثم تسمع صوت بكاء الطّفل، وصوت نباح الكلب الذي يذكّرها بذلك الكلب الذي تبحث عنه.
كلّ هذه الأصوات المتداخلة التي ينتبه إليها البطلان، لتوضيح مدى وصول العلاقة بينهما لحالة من "السّكون".
في "سِحر".. البطلة تسمع لأحاديث أخيها باستمرار، أحيانًا تميز ما يقوله وأحيانًا أخرى لا تتمكن من سماعها.
في "شبَّاك أخضر".. يسمع البطل ضجة غير مفهومة مصدرها بشر يرقصون.

*القطط..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. البطلة تكره القط، أو هكذا يخيل إليها أثناء فقدانها المؤقت للذّاكرة.. فالبطلة في هذه القصة في حالة دائمة من النِّسيان أو التَّناسي.. وفي نهاية القصة نعرف أن هذا القط هو أقرب ما يكون إليها!
في "الحقائب السّوداء".. البطل يأكل مع قطته في طبق واحد.. وعند قيامه برحلته فإنه يتركها خلفه.
في "سِحر" البطلة تخاف من القطط وعلى مشارف كرهها، وتعتقد بأنها كائنات بشعة غير أن هناك قطة تسللت إلى قلبها بعد أن شعرت بأنها تشبه حالها كثيرًا، وعند عودتها من مغامرتها القصيرة أدخلت قطة بثلاثة أرجل معها إلى البيت.
في "شبَّاك أخضر" يأخذ الكلب مكان القطة كونيس للبطل في وحدته.

*النّوم..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. نجد البطلة تحب النّوم ولا تشبع منه.
في "الحقائب السّوداء".. النَّوم يكسر الملل في حياة البطل.
في "شبَّاك أخضر" البطل يخشى النَّوم.
وفي كلّ مرة نلاحظ وجود سؤال دائم يكون ظاهرًا أحيانًا وضمنيًا في أحيانٍ أخرى، وهو: لماذا نستيقظ؟

*المطر..
في "الحقائب السّوداء".. كانت "أحاديث السّماء" سببًا في اختباء البطل، من ثم لقائه بمن تشاركه تلك اللحظة والمساحة..
كان المطر حاضرًا خارج جدران المكان الذي يتواجد به بطلي القصة في "فوكاليز"

*الدِّفء..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تجده البطلة وتشعر به من اقتراب القط منها.
في "الحقائب السّوداء".. يجده البطل في عطر الغريبة التي آنست وحدته في مدخل البناية القديمة.
في "سِحر".. تجده البطلة في أخيها.
في "شبَّاك أخضر".. يشعر به البطل بعد الحديث مع طيف حبيبته.. أو يمكننا القول ان البطل يجده في استدعاء ذكرياته.

*القبلة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تتوقف البطلة عن التّنفس والحركة وعن الحياة بعدما قبّلها "شخص أو عفريت" في الشّارع.. قبلة طويلة ثقيلة، أمّا القبلة الثّانية فقد أيقظت كلّ ما فيها وجعلها تبكي ذاك البكاء الدّافئ، وبالرّغم من ذلك لم تمنحها القبلتان أي شيء، على العكس امتصتا منها كلّ شيء! وفي القبلة الثّالثة جعلتها تتنفّس كما لم تفعل من قبل.
وهناك تلك القبلة من القط في نهاية القصة.
في "الحقائب السّوداء".. يقترب البطل من الغريبة ويقبلها تلك القبلة التي "تدفع عقله للتّفكير" فلا يجد إجابة سوى شفتيها.
في "فوكاليز" تتساءل البطلة عن شكل ملامح حبيبها عندما يقبلها.. ودفعتها القبلة للبكاء.. وقبلة أخرى أعادتها من أحلامها إلى الأرض قبل أن تغرق مع حيتانها.. أعادتها لأول السطر وأبكتها مجددًا.

*الشّعور بالغربة عن النّفس والوحدة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. لا تعرف البطلة نفسها جيدًا وتشعر بالوحدة. "أنا يمكن أكون فاهمة الدّنيا.. لكن مش فاهمة نفسي".
في "الحقائب السّوداء".. البطل يعيش وحيدًا منذ سنين. لم يعد يخاف من شيء إلا نفسه.
تعودت البطلة على الوحدة في "سِحر" لدرجة لم تتقبل وجود أخيها في حياتها، فأخذت تتجاهله كي ييأس ويغادر ويتركها لوحدتها. البطلة تعيش في أزمة "ماذا عليه فعله؟ وكيف تفعله؟"
وفي "شبَّاك أخضر".. البطل وحيد لا يؤنسه سوى ذكرياته وكلبه.

*المرآة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. لم تستطع التّعرف على نفسها عند النّظر للمرآة.
في "الحقائب السَّوداء".. يقف البطل أمام المرآة عاريًا يتأمل ندوبه وثقوبه نتيجة الحنين والنّدم والذّكريات، ومع ذلك هو لا يرى حاله!
في "شبَّاك أخضر".. يحاول البطل أن يتجنب النّظر في المرآة هربًا من حقيقة الجمود في حياته ومن الإحباط.

*البحث عن شيء كان موجودًا واختفى..
يحدث ذلك مع وجود أدلة على وجوده، ويقين القلب به.. فالأمر لا يحتاج إلى دليل ولا إلى شهود "فأنت هو الدليل".. في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. الرجل الذي قبَّل البطلة ثلاث مرات اختفى، وبقى الرّجل العجوز والزّهور جواره.. وفي "الحقائب السّوداء".. البطل يبحث عن الغريبة التي كانت معه "عقله يخبره بأنها ليست حقيقية، وقلبه يخبره بالعكس".. وفي "سِحر".. البطلة تبحث عن القطة التي اقتربت منها في مسجد السّيدة زينب وجلست فوق رجلها.

*الظّلام..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة" البطلة تعرف طريقها في الظّلام، ولا تتعثر حيث أن "كل شيء فيها يرى في الظلام بوضوح" لم تعد تخشاه البطلة، بل وأصبحت تحتاج إليه أيضًا لأنه يشعرها بالخلاص.
في "الحقائب السّوداء".. انقطعت الكهرباء وحل الظّلام حول البطل، وهو مختبئ من المطر.
في "فوكاليز" انقطعت الكهرباء.. وبقى البطلان في الظّلام.

*الغرق..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. بعد اجبار البطلة على تدخين سيجارة لا تعرف "هل تحترق أم تغرق؟".. وشعرت بأنها تموت غرقًا بعد القبلة الثّانية من رجل صادفته في الشّارع.
في "الحقائب السّوداء".. البطل يغرق في محيط عيون الغريبة الهادئتين المخيفتين.
في "فوكاليز".. الحيتان تغرق في لوحة البطلة، وتتساءل "هل تغرق الحيتان مثل البشر في بعض الأحيان؟".. البطلة نفسها ببساطة كانت تغرق.. كما نعرف أنها تخاف السّباحة مع البطل في البحر خوفًا من غرقهما، والحقيقة أنها تخاف من "أسطورتها الخاصة" بخروج حوت من البحر لابتلاعها.

*الابتلاع..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تشعر البطلة بالابتلاع عندما تضم أحدهم، أو يضمها أحدهم كأن المساحات بين الأذرع حفرة عميقة لا تفعل شيئًا سوى الابتلاع!
في "الحقائب السّوداء".. يختبئ البطل من المطر داخل إحدى البنايات القديمة فـ "ابتلعته بوابتها وشبح الظّلام".
في "فوكاليز".. البطلة ترى البطل والموج يبتلعه "هناك أشياء كثيرة قد تبتلعها في أي لحظة، وليس مجرد حوت".. وعندها شعور بأنها "لم يكن صعبًا كي تدرك أنّها كانت تُبتلع، لتستقر في قبرٍ من نوعٍ خاص.

*الهروب..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تهرب البطلة من القط الذي تكرهه أثناء فقدانها المؤقت للذّاكرة، أو بمعنى أدق اثناء "تناسيها" الذي يمثل الهروب من مخاوفها.. الهروب مما تنتظره!.. من إحباط الواقع إلى عالم أحلامها الخاصة، وفي خضم كلّ هذا نجد ان البطلة نسيت مما وممن تهرب!
في "الحقائب السّوداء".. البطل في حالة هروب مستمر ممن يطاردونه في أحلامه، ويرى أن الحل في حتمية القيام برحلة تأخذه بعيدًا عن كلّ شيء.
في "فوكاليز".. استقرت البطلة في بطن الحوت "ما من نوافذ أو وسيلة للهروب" بعدما صارت أضعف وقادرة على الاستغناء والصّمت.. والبطل هرب -أو هو يأمل أن يفعل- للمرة الثّانية بعدما أخرجته البطلة من حياتها.. وعندما أصبحت العودة بالنّسبة إليه مستحيلة والاستمرار في العلاقة مستحيلة كذلك.. وقد كان هروبه الأول منها عندما تزوج بأخرى.

*البساطة والسّهولة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. لا تجد البطلة ما تريده بسهولة "الحياة مش بالبساطة دي"
البطل في "فوكاليز" لم يتعوّد أن يجد الأشياء بسهولة..
في "سِحر".. تتساءل البطلة.. كيف ولماذا تحدث بعض الأمور ببساطة؟!

في النّهاية.. اختارت الكاتبة أن تكون صوت الرَّاوي العالم بالأمور في ثلاث قصص، وهي "فقدان مؤقت في الذَّاكرة، ممنوع اصطحاب الحقائب السَّوداء الضَّخمة، وفوكاليز"، أمَّا في قصتي "سِحر، وشبَّاك أخضر"، فلقد جعلت الكاتبة من البطل صوتًا للرَّاوي.
لا أعلم هل هي مجرد صدفة أم تفكير مسبق وأمر مقصود ومخطط له من الكاتبة أن يتقاسم الرّجل والمرأة أدوار البطولة في القصص الخمس؛ فنجد أن المرأة حاضرة كبطل في قصتي "فقدان مؤقت في الذَّاكرة، وسِحر"، ويلعب الرَّجل دور البطولة في قصتي " ممنوع اصطحاب الحقائب السَّوداء الضَّخمة، وشبَّاك أخضر"، بينما يقتسمان البطولة في "فوكاليز".
جاء اختيار العناوين جيدًا، ماعدا عنوان "ممنوع اصطحاب الحقائب السّوداء الضّخمة"
لا تعطي الكاتبة أي معلومات عن زمن وقوع احداث قصتها، سوى في مرة واحدة في قصة "الحقائب السّوداء"، حيث نعرف أن الأحداث تجري في الشِّتاء.
استمتعت كثيرًا بقراءة هذه المجموعة القصصية المميزة لكاتبة موهوبة لها اسلوبها وخطها ومذاقها الخاص في سرد القصص القصيرة، وأتمنى لها كلّ التَّوفيق والنّجاح.


View all my reviews

16 فبراير، 2016

عرض كتاب.. مملكة الدَّيْجور




مملكة الدَّيْجور.. مجموعة قصصية تتكون من تسع قصص قصيرة للكاتبة رحاب الخضري، تنتمي جميعها إلى الواقعية الكلاسيكية، فالقارئ سيجد قدميه قد انغمستا في تفاصيل واقعية دون أي رتوش بمجرد أن يتصفح الكتاب..، إلا أن الكاتبة وضعت رتوشها الأدبية الخاصة، وإضفاء أسلوبها المتميز بتمكنها من اللغة العربية ومفرداتها، ودقة اختيارها للكلمات المناسبة للتعبير بها عما تريده تمامًا، وامتلاكها القدرة على استخدام التشبيهات وتصوير المشاهد وتجسيدها للقارئ بما يرسخ في مخيلته لوحات مرئية، مثال على ذلك قولها: "أرضٌ بكر مشبَّعة بالخصوبة أرضها، وفأسٌ أعوج صدئ النَّصل فأسه" في قصة (ليتها دامت رائحة القهوة).. "وكأنه ابن شرعي للحائط، أنبتته بجوارها" في قصة (الحائط).. "لتتركها بحيرة أنهكها الجفاف، جذع شجرة خاوٍ يابس.. ملقى على الطَّريق، راهبة تتخبّط في صخب الحياة" في قصة (فينوس الرَّاهبة).. "كانت ليلة عمر ملتحفة بالأسود القاتم".. "أن تنحر سعي النَّهار قربانًا لحياة الليل" في قصة (مملكة الدَّيْجور).. "مع نسمات الفجر الملطخة بالأبخرة السَّامة" في قصة (المصنع).. مشاهد غرق الحجرة في قصة (حجرة سكنها الوجع).

الكاتبة تجعل البطل دائمًا في مواجهة قاسية مع القدر، أحيانًا يتمّرد على هذا الواقع ويحاول تحديه وتغييره، ونرى ذلك في قصص (فينوس الرَّاهبة، مملكة الدَّيْجور، وابتسامة نور)، وفي أحيانٍ أخرى نجد البطل مستسلمًا لقدره، راضيًا -أو هو مجبر على القبول والرّضا- بحاله، وذلك كما نرى في قصتي (ليتها دامت رائحة القهوة، والحائط).. برغم هذا الواقع المأساوي، نلاحظ أن الكاتبة لا تجعله سوداويًا بالكامل كما يبدو من الظاهر، فالحقيقة أن الكاتبة تزرع الأمل بين سطور حكايات أبطالها كما سنرى في عرض كل قصة على حدة.

تتصدّر قصة (ليتها دامت رائحة القهوة).. تنسج هنا الكاتبة على منوال تيمة المقولة الشهيرة.. "لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع".. ونجد أن البطلة "فاطمة" مستكينة للواقع، راضية به لا تحاول ولا تفكر حتى في التمرد عليه، مبررة ذلك لنفسها كي تقنع نفسها بأن "الفرح له ناسه، وإحنا اللي الهم اختارنا".. طريقتها في مواجهة القدر كـ "متهم برئ ينتظر نطق القاضي بحكم الإعدام الباطل الذي لا يستحقه" ويمكننا هنا إضافة.. ولا يملك حق الدفاع عن نفسه ولا القدرة على ذلك.

في قصة (الحائط).. نجد البطل يعيش وفق روتين يومي لا يغيره، مقتنعًا باستحالة تغيير واقعه، فالنهاية لن تكون في صالحه أبدًا.. والحائط في القصة ليس مجرد مكانًا يستند عليه البطل ويعتبره حضنًا ككل -أو معظم- البسطاء، ولكن يمكننا القول أن الحائط المقصود هو ذاك الجدار السّد في طريق شاب بسيط طموح، لا يملك من القوة ما يواجه به قسوة الواقع.

في قصة (فينوس الرَّاهبة).. نجد البطلة في حالة تحدي لواقعها، لمرضها الذي سلبها أنوثتها في البداية، ثم لخذلان حبيبها الذي تخلى عنها.. أعجبتني هذه القصة كثيرًا ولم يفسد هذا الإعجاب سوى العريس الذي تقدّم للبطلة وهو يعرف عنها كلّ شيء.

الواقع مأساوي مرةً أخرى في قصة (حجرة سكنها الوجع)، ولكن في النهاية برغم كلّ شيء تزرع الكاتبة بعضًا من الأمل بعد إصلاح دار البطل وعلاجه وتعويضه ماديًا وبراءة زوجته من ظنونه.
جاء تصوير مشاهد غرق الحجرة بارعًا، وببراعة أكثر جعلت الكاتبة السيول تُغرق الحجرة في الوقت الذي غرق فيه البطل في ظنونه وأغرق زوجته بها حتى ابتلعتها تمامًا مثلما فعلت بها السيول.

مملكة الدَّيْجور.. مملكة الصِّدق.. أجمل قصص المجموعة على الإطلاق.. ولقد حجزتها مسبقًا من الكاتبة لعمل سيناريو فيلم لها، ولقد وافقت، وها أنا "أدبسها" مرةً أخرى :D
البطل في هذه القصة يعاني من متلازمة نيكتوفيليا Nyctophilia : حب الظَّلام.. حدث هذا بعد أن استطاع تحويل مخاوفه إلى عشق، حيث تؤكد الكاتبة على فكرة.. نحن من يخلق مخاوفنا الشخصية بغلق أعيننا عنها وتسليم النفس لخيالات مزعجة.. بمجرد مواجهة البطل لمخاوفه تكيف مع وضعه الجديد وتعود عليه، بل وأحبه وأصبح عالمه.
قصة رائعة بالتَّأكيد.

عنوان ذكي آخر -إضافة لكلّ عناوين المجموعة- تضعه الكاتبة على صدر إحدى قصصها وهي قصة (كوب من الخيبة)
وهي قصة طريفة، أعترف بأن نهايتها خدعتني.. أفسد القصة كثرة الجمل الحوارية، رغم روح المرح وخفة الظِّل الذي أظهرته الكاتبة وبرعت فيه.
في قصة (المصنع).. تطل قسوة القدر برأسها مرة أخرى، فالبطل مجبر على التّخلي عن طفولته، وعلى قبول العمل الشَّاق الذي يصل لحد السُّخرة، إلا أن بارقة الأمل تطل برأسها هي الأخرى من خلال أحلام البطل "عالمه البديل".. فالقدرة على الحلم أراها أول طريق التّمرد..، كما نتلمسها أيضًا في رفض البطل للإهانة.

خلافًا لطريقة السّرد التي اختارتها الكاتبة في كلّ قصص المجموعة، وهي طريقة الرّاوي العالم بالأمور، نجد في قصة (أصابع الموت) أن البطل هو الرَّاوي، كما تخالف الكاتبة باقي قصص المجموعة في كتابة الحوار في هذه القصة باللغة العربية الفصحى.. "القطار انتبهي القطار" "حرامٌ عليكِ شبابك".. وهو ما رايته غير متسق مع المجموعة.
تؤكد الكاتبة في هذه القصة نفس فكرة مواجهة المخاوف، حيث تجد البطلة نفسها مضطرة لمواجهة مخاوفها، وعندها تنجو منها، في نهاية كانت بمثابة مفاجأة لي.

في قصة (ابتسامة نور).. نجد البطلة في حالة تحدي مستمرة لقسوة قدرها، ولم تسمح له أن يهزمها على طريقته، وبالرّغم من أنها تعرف النِّهاية الحتمية لها، إلا أنها شاءت أن تكون بطلة حكايتها، وأن تعرف موعد نزول السِّتار، ورفضت أن تلعب دورًا ثانويًا.
هذه القصة للأسف اعتبرها أضعف قصص المجموعة من حيث البناء حتى وإن كانت الفكرة جيدة جدًا.
فحتى إن لم أتعجب من طلب البطل لسيجارة وهي في مستشفى!.. إلا أنني تعجبت جدًا من حصولها عليها، بل وتدخينها أيضًا في حجرة إحدى المريضات!..
كما أن كثرة الجمل الحوارية أفسدت القصة كالعادة، فالقصة القصيرة هي فن السّرد البعيد عن الحوار قدر الإمكان، وإن اضطر الكاتب لاستعمال الحوار فيكون ذلك في أضيق الحدود.

في النِّهاية.. استمتعت بقراءة المجموعة حقًا، فأنا امام كاتبة موهوبة عندها الكثير الذي لم يخرج بعد، وأتمنى ان تنطلق بخيالها دون تقييد شعرت به، كما أتمنى أن تستغل طاقتها السّاخرة الكبيرة التي أعرفها عنها من متابعتي لمدونتها في عرض الواقع، فإن فعلت فلا أشك انها ستكون واحدة من ألمع الأدباء في هذا المجال.
مع التّمنيات بالنّجاح والتّوفيق الدّائمين.

Translate