‏إظهار الرسائل ذات التسميات عرض كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عرض كتب. إظهار كافة الرسائل

25 يوليو 2018

شآبيب

شآبيبشآبيب by أحمد خالد توفيق
My rating: 2 of 5 stars

في يوم الإثنين الموافق 2 أبريل عام 2018م، رحل أحمد خالد توفيق عن عالمنا.. فلنسأل الله الرَّحمة له والمغفرة.

للأسف فلقد أصبحت (شآبيب) العمل الرِّوائي الأخير للعرَّاب.. أقول للأسف لأنَّها العمل الأسوأ له على الإطلاق.. ربما تقترب منها بمسافة روايته (يوتوبيا) فقط.. وللمفارقة فإن شآبيب تنتمي لأدب (الدّيستوبيا: المدينة الفاسدة).. والمزاج السّوداوي.
يعيد العرَّاب في (شآبيب) إنتاج نفسه، فالرِّواية مُعالجة جديدة للعدد الثَّالث والسّتين من سلسلة فانتازيا، الصَّادر في بداية شتاء 2015م بعنوان: (وعد جوناثان).. وهو يُكرِّر هنا نفس ما فعله سابقًا مع روايته (في ممر الفئران) التي كانت إعادة صياغة لعدد من أعداد سلسلة ما وراء الطَّبيعة بعنوان أسطورة أرض الظَّلام.. وإن كنا هذه المرّة أمام كثير من الارتباك والتَّخبُّط.
يطرح د. أحمد فكرة رائعة جدًا.. مُبهرة.. برَّاقة.. ضخمة –هذا ما يبدو لأوّل وهلة- ولكن سُرعان ما يُصيب تلك الفكرة بتصلُّب الشَّرايين، ونُصبح أمام عبارات مُكرَّرة وحبكة باهتة وشخصيات ضعيفة البناء، ومُعالجة غير ناضجة بالمرَّة.
الفكرة تلعب على تيمة (ماذا لو؟) الشَّهيرة.. والتي يُجيدها العرَّاب بكفاءة فائقة جدًا.. ماذا لو تفرَّقت الشّعوب العربية وتركوا أوطانهم وأصبحوا شتاتًا في أنحاء الأرض؟.. ماذا لو أصبحوا أقليات منبوذة في مجتمعات لا تُرحِّب بوجودهم ولا التَّعايُش معهم؟..
ثم ماذا لو كان هناك حلم بأرض تجمع شتاتهم في وطن واحد؟.. نعم تمامًا.. هذا هو المُعادل الموضوعي لأرض المعاد الصهيوني.. البحث عن أرض.. الادّعاء بأن للعرب حق فيها.. وضع تاريخ مزور لها.. اختلاق المُبرِّر الأخلاقي والدِّيني.. دعم من قوة عُظمى لها نفوذ سياسي وعسكري لا يُقهر..
ثم ماذا لو اجتمع العرب في وطن واحد بعد الشَّتات؟.. وربما يكون هنا -حسب اعتقادي- السَّبب الرَّئيس لكتابة هذه الرّواية.. والذي من أجله قام العرَّاب بتشتيتنا معه في أطراف الأرض بمساحة ثُلثي الرِّواية تقريبًا بسوداويته وفلسفته وحواراته التي يتخلَّلها وصمة فوبيا العرب / الإسلاموفوبيا.. والحديث عن الحُرية والحُب والظُّلم والدِّين والسِّياسة، ولا بأس من جرعة جنس صغيرة.. مع ذكر الأسباب والظُّروف التي جعلت الوطن العربي قوة طرد لساكنيه.. ليجتمع بنا في الثُّلث الأخير منها في (شآبيب).. ليُظهر عيوب العرب وأمراضهم وأسباب ضعفهم وتفكُّكهم وصراعاتهم ضد بعضهم البعض..
كل هذا دون أن يُحدِّد لنا زمن هذه الأحداث والصِّراعات!.. وهو أمر غريب جدًا.. فالزّمن في الرِّواية غير واضح تمامًا وإن كان من المؤكّد أنّه في المستقبل القريب.. مما يُضعف الرّواية ومصداقية وهضم الفكرة.. وسوف أقوم بشرح ذلك بشكل مُفصَّل.
حاول د. أحمد أن يرسم صورة للعرب مُماثلة لصورة اليهود في أوائل القرن العشرين.. ولكن دون هولوكوست وأن العرب هم يهود العصر.. مُشتَّتون في كل بقاع الأرض.. مُنعزلون في مجتمعات من الكراهية يعتبرهم الكل غرباء لا يُصدِّقون أنهم يمكنهم أن يندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة.. بينما نجد أنهم في فقرات أخرى لهم وجودهم وكيانهم ويعتلون أرقى المناصب ولهم نصيب اقتصادي لا بأس به.. بالإضافة إلى أنه برغم كل الأسباب التي ساقها لتبرير شتات العرب فإن لهم أوطان أصلية مازالت باقية وليسوا كاليهود الذين كانوا بلا وطن ولا أرض تمامًا.. هذا غير أمر هام جدًا تغافل عنه د. أحمد وهو أمر (الجذور).. فلكل عربي مُهاجر جذورًا ضاربة في وطنه الأصلي.. له أهل وعائلة وصداقات وذكريات وجدود من مئات السّنين.
تبدأ الرِّواية بمشهد من النَّهاية مُستخدمًا تكنيك الفلاش فورورد
" Flash Forward: استقدام"..
ثم يبدأ بجمع الخيوط التي تنتهي عند ذلك المشهد.. خلال الانتقال من مكان لمكان، ومن شخصية لأخرى.. وهو ما أجاده د. أحمد وقام به بشكل سلس، ومقبول.. غير أن المُزعج هو استخدام تكنيك الانتقال من أسلوب المُتكلم إلى الغائب إلى المُتكلم إلى المُخاطب في نفس الفقرة عن نفس الشَّخص.

** رسم الشَّخصيات
هناك شخصيات كثيرة جدًا لدرجة التُّخمة.. وقد يكون ذلك السَّبب في عدم اتقان رسم وبناء أي شخصية.. حيث جاءت كل الشَّخصيات مسلوقة باهتة.. الشَّخصيات من أوطان مُتفرِّقة، ولكل شخصية منهم وطن أصلي وُلِد فيه ثم تركه لأحد الأسباب وأصبح له وطن آخر لا يستطيع التّعايُش فيه.. ثم يصنع العرَّاب شخصية مُقابلة لهذه الشَّخصية تريد الاستمرار في الوطن البديل واستكمال المسيرة وتحمُّل المخاطر التي يتعرَّض لها، وينشأ صراع بين إرادة الشَّخصيتين على البقاء أو الرَّحيل.
كل الشَّخصيات في الرِّواية تم ذكر أسمائهم حتى وإن كانت أدوارهم بلا قيمة تقريبًا (رومهلر مثلاً).. ثم لاحظ الكاتب فجأة ذلك فامتنع عن تسمية شخصية أستاذ الأديان!
في رأيي أن هناك بطلان رئيسيان للرِّواية.. أمَّا الباقون تتدرَّج أدوارهم بين ثانوية وهامشية.. البطلان هما:
* الأوّل: مكرم ميخائيل أستاذ العلاقات السِّياسية في هارفارد.. عضو ناشط في الحزب الأمريكي الحاكم.. العربي بداخله يتصارع مع المواطن الذي يقبل بقواعد الحياة الأمريكية.. يؤمن أنَّه قادر على إصلاح العالم.. وأنّه سوف ينقذ العرب من الانقراض.. (ولا نعرف كيف سينقرضون فبرغم كل شيء مازالت أوطانهم الأصلية موجودة).. وسوف يذكر له التَّاريخ أنّه فعل للعرب ما فعله المُحارب جوزيبي غاريبالدي، والسَّياسي الماسوني جوزيبي مازيني لإيطاليا.. وهو ما أجده تشبيه سيء جدًا ولا يقترب ما يفعله مكرم من أعمالهما.. على الأقل لم يقوما بدور "هو مزيج من دور النَّبي والقديس والقائد الحربي والفيلسوف والنَّصاب والمُفكِّر الاقتصادي وابن الزِّنا وصنم وثني".. كما وصف الكاتب مكرم.
* الثَّاني سليم: ترك أبوه ليبيا لأنَّها صارت قاسية (الاحتمال الأكيد هنا
أن ذلك حدث بعد 2011م).. وذهب إلى ليبيريا على أمل الهجرة لأمريكا.. وفي ليبيا وُلد سليم وغادرها مع أبيه وهو في سن المدرسة (6 سنوات).. تارة نجد سليم يُجيد الإنجليزية صـ 73، وتارة يصفه الكاتب بأنّه لا يُجيدها وتارةً أخرى لا يُجيدها كلها صـ 185.. سليم لا يعرف أي شيء عن بلاد العرب ولا عن الإسلام سوى أن للمسلمين ثلاثة أماكن مُقدَّسة، وللمسيحيين مكانًا في مُقدسًا في إسرائيل.
ثم هناك شخصية أمينة.. وهي عبير في (وعد جوناثان) حيث كانت تقوم هناك بدور البطولة، إلَّا أنَّها هنا تلعب دورًا ثانويًا، ليس ذات تأثير كبير.. فهي تونسية تركت تونس منذ خمسة عشر عامًا بعدما قرَّر والدها ذلك لصعوبة العيش في تونس وتزايد قوى الطَّرد (ولم نعرف هنا ما هي قوى الطَّرد التي زادت باستثناء أن البطيخة تغيَّر اسمها من الدّلاعة إلى فانميلون).. حتى وإن فهمنا أنّه يقصد الاستعمار الثّقافي.. فإنَّنا لم نسمع أبدًا عن استعمار ثقافي مهما كان شكله يجعل أهل البلاد يغادرونها..
هناك أيضًا.. جوناثان إيرهارت: سياسي أمريكي كان حاكمًا لولاية أمريكية وصار نائبًا للرَّئيس الأمريكي فيما بعد. هو المُساعد والدَّاعم الأول لصديقه مكرم. وهو رجل صارم جاد يؤمن بأن الحياة شر وأن الإنسان قاس متوحِّش (نفس الفكرة التي يطرحها د. أحمد في معظم أعماله تقريبًا).
وهناك المصري.. محمد عدنان المُراهق الحالم الذي ضاعت أحلامه بسبب تلصُّصه على بنت الجيران، في الجامعة أصبح ثوريًا وصديقًا لماركسي مُلحِد ولكثيرين من التَّيار الإسلامي كذلك.. يُعتقل لمدة ثلاث سنوات، ويخرج ويتزوّج ويعمل موظفًا في مصرف نهارًا ثم كاشير في أحد المطاعم ليلًا.. ليستطيع التَّكفُّل بمصاريفه هو وزوجته (فقط) ومن أجل ذلك يبيع سيارته ويصبح من روَّاد الميكروباص!!.. ثم يُقرِّر الفرار من مصر.
من خلال شخصية محمد يصف الكاتب الوضع السّياسي المُظلم والوضع الاقتصادي المُنهار البائس في مصر.. (غالبًا في الفترة من 2010م : 2013م)
دون تحديد دقيق.
وهناك السُّوريَّان أبو مُنذِر السُّوري: المُطالب بإقامة دولة الخلافة.. وتجييش الجيوش ضد العالم كله لتطبيق شرع الله.. وسراج صالح.. المهندس الإخواني الذي دفعه اضطهاد الإخوان في سوريا إلى الفرار إلى بريطانيا.. (ربما يقصد هنا الاضطهاد الذي طالهم في زمن حافظ الأسد بعد تمرُّدهم المُسلَّح عليه في عام 1982م)

** سبب العداء ضد العرب.. وسبب هجرتهم وتشتُّتهم..
غير واضح لا أسباب ولا وقت بداية العُنصرية وقوة الطَّرد المُعادية للعرب في كل الرِّواية.. ففي النّرويج مثلًا.. "بلد أدرك أنه عُنصري فجأة"! صـ 33.. وصـ 34 هو "لا يعرف ولا أمينة تعرف".. متى أصبح النّرويجيون يُفرِّقون بين الجنسيات!!.. (المفروض هنا أن نُخمِّن نحن السَّبب).. أمَّا في سيدني صـ 190.. فلقد تبدَّلت الأوضاع خلال بضعة أعوام مضت.. فلقد كان العرب فيها آمنين ذائبين في المجتمع، ثم فجأة وقعت أعمال إرهابية وتفجيرات وانتشر حديثًا عن عودة دولة الخلافة!!.. فبدأت طقوس الكراهية الأسترالية ضد العرب.. لا نعرف متى بدقة ولا كيف بدقة.. هو أرادها كذلك وحسب.. وذلك بالرّغم من أن العرب "يتخلّلوا كل شيء.. التّعليم والطِّب والغذاء ويسيطرون على الاقتصاد"!!.. إذًا ما الدَّاعي وكيف يكون التَّطهير العرقي لطرف قوي جدًا كالعرب في أوروبا؟؟.. السَّبب الوحيد أن العرَّاب يريد ذلك لكتابة الرِّواية.
ثم نجد الكاتب يُكرِّر كثيرًا نغمة ظهور العداء ضد العرب (آرابوفوبيا) وفي كل مرّة لا يمنحنا ما نقتنع بأسباب هذا العداء.. صـ 121 مثلًا.. لقد ظهر من العدم وعلينا قبول ذلك!!
أمَّا عن أسباب شتات العرب والهروب من أوطانهم، فلقد أرغى وأزبد فيها كثيرًا جدًا.. فيقول مثلًا أن السَّبب هم الدّول الغربية نتيجة صنعهم لأنظمة حاكمة في الوطن العربي أحالت حياة العرب جحيمًا.
أو يعزي انهيار العرب إلى سلسلة من الأحداث التَّاريخية بدأت بـ "اتّفاقية
سايكس بيكو، ثم تفكُّك الإمبراطورية العُثمانية التي كانت فاسدة أصلًا، ثم عصر الدّيكتاتوريات العسكرية التي حكمت العالم العربي تحت شعار الدِّفاع عن فلسطين، ثم انهماك العرب في الإنفاق والصِّراعات الدَّاخلية مع أشباح، وشراء التّكنولوجيا بدلًا من تصنيعها".. إلى هنا قد نقبل بهذه المُقدِّمات برغم أنّه وضع كل الدّول العربية في بوطقة واحدة وهذا خطأ نظرًا لاختلاف الظروف والملابسات التَّاريخية لكل دولة عن الأخرى.. يُكمل: "ثم جاء التَّفكُّك النِّهائي بعد حرب الغزو الاقتصادي والسِّياسي الشَّامل التي قام بها الغرب للاستيلاء على ثروات هذه المنطقة ووضعها الجغرافي المُتميّز، فبدأت موجات الهجرة".. هنا نقف.. كان يجب أن يفرد لهذه النُّقطة مساحة أكبر يُوضِّح فيها طبيعة الغزو الاقتصادي والسِّياسي الشامل كما وصفه، بالإضافة للغزو الثّقافي في فقرات أخرى.. وكان يجب أن يفصل بين دول ودول أخرى.. فمن غير المعقول أن تكون مصر مثل العراق مثل الإمارات مثل الجزائر مثل المغرب مثل الأردن مثل الكويت مثل السّعودية.. لقد وضع كل البيض في سلة واحدة وحكم عليه جميعًا بأنُّه بيض فاسد وقام بتهشيمه دون فرزه.
ويقول أيضًا: "أن هناك حضارات بادت وانتهت ولكن ظلت نواة صلبة مُحترمة قادرة على التَّماسُك بينما العرب ارتكبوا حشدًا من الحماقات في الجيل السَّابق بدَّد ثرواتهم وتعرَّضوا للغزو الخارجي".. (لا نعرف أي جيل في أي زمن.. ولا أي غزو؟.. وهل طال كل العرب هذا الغزو؟ وجعلهم يتركون بلادهم تمامًا؟؟)

** التباس الخط الزَّمني
لم يُحدد الكاتب زمنًا لروايته كما قلت ولم يذكر سوى تاريخ واحد فقط، وليته ما ذكره!.. عام 2001م.. التَّاريخ الذي صار فيه جوناثان حاكمًا لولاية أمريكية ثم أوضح أن عمره الآن 55 عام صـ 61.. بينما نعرف أن والده شارك في الحرب العالمية الثَّانية التي وضعت أوزارها عام 1945م.. فحتى على فرض ولادته في نفس العام، فإن عمره عندما أصبح حاكمًا لولاية أمريكية عام 2001م هو 56 سنة.. فكيف يكون عمره 55 عامًا وهو
نائب الرَّئيس الأمريكي؟!!
ثم نأتي للخلط في زمن شخصية محمد عدنان الذي بدأ رحلته في الرِّواية وهو في عمر الخامسة عشر.. ويعطينا الكاتب معلومة.. أن "التّيار الكهربي مُتكرِّر الانقطاع".. وهو الأمر الذي كان يحدث في عامي 2012م، 2013م بكثرة.. وإن حدث بطريقة أقل في صيف 2010م.. تماشيًا مع هذا الاحتمال يكون محمد من مواليد1995م. نعرف أن صديقه اليساري شارك في التّحريض ودعم إضراب عُمَّال المحلة (الإضراب المقصود هنا هو إضراب 2 مايو 2010م).. بعد سبعة أعوام من تلصُّصه على عزة بنت الجيران والتي صارت فتاته وهو في الثَّانية والعشرين.. أي المفروض في عام 2017م!!.. الخطأ الزَّمني واضح هنا.. ثم بعد قضاء 3 سنوات في السّجن خرج وهو 25.. عام 2020م.. ثم يحاول الانتحار بعدها بستة شهور، ثم يعمل في مصرف، ثم يتزوّج ثم نعرف أنّه باع سيارته منذ ستة أشهر.. هذه الأحداث تأخذ على الأقل عامين.. فعمره 27.. أي عام 2022م.. طبعًا لا يتَّفق هذا مع وصف الكاتب للحالة السَّياسية لمصر في الفترة ما قبل 2013م. ثم هناك أمر غريب، فهو يقول: "لا يوجد أفق سياسي في البلد" ويُبشِّر بأن "الثَّورة قادمة".. ثم يقول: "ليس من حق الشّعب أن يثور ثانية"!!
سنفترض أنّه فرّ من مصر في نفس العام 2022م.. ثم جاء بيان جوناثان عن إقامة شآبيب بعد عامين ونصف من بداية انتشار كتاب (العربي التَّائه) وكتاب (تاريخ لم يحكونه في المدارس).. واللذان انتهيا بعد عامين.. بعدها سافر محمد لشآبيب وهو في الثلاثين.. عام 2025م.
نفس هذا الالتباس الزَّمني نجده في شخصية أمينة التي تركت تونس منذ خمسة عشر عامًا بعدما قرَّر والدها ذلك لصعوبة العيش في تونس (الاحتمال المؤكّد هنا أيضًا أن ذلك حدث بعد 2011م).. أي أنَّا بدأت رحلتها في الرِّواية عام 2026م.. سافرت لشآبيب بعد بيان جوناثان الذي عرفنا أنه جاء بعد عامين ونصف من ظهور الكتابين أي أنها رحلت لشآبيب عام 2029م على الأقل.. وهو ما يتعارض مع وقت إقامة شآبيب حسب التَّسلسُل الزَّمني لمحمد عدنان..عام 2025م.
هناك أمر آخر.. فأمينة لها ابنة مراهقة.. أي أنها ما بين 12: 17 سنة.. كيف يحدث هذا وهي مُقيمة في النّرويج منذ 15 سنة وهاجرت إليها طفلة؟؟!!..

** نقاط ضعف
بخلاف رسم الشَّخصيات السيء والتباس الخط الزَّمني.. جاءت الحبكة ضعيفة، فلقد فشل د. أحمد تمامًا في إقناعي ببناء حبكته على الخطأ الشَّخصي لمكرم في اختيار مكان الوطن الجديد الذي قدّم له مُبرِّرات في البداية، ثم ناقضها في النَّهاية.. مكان طبيعته الجغرافية بركانية وبرغم ذلك رآها مناسبة! ثم يأتي في النَّهاية ليكتشف فجأة أنّه كان مُخطئًا!!.. وكأن الأمر غير مُتوقّع ولا مدروس وأن القرار جاء عشوائيًا بلا أي دراسات كما حاول الكاتب أن يؤكِّد دائمًا.. ثم كيف لذلك أن يحدث في عصر المعلومات والأقمار الصناعية؟.. كيف لا يعرفون كل كبيرة وصغيرة وكل الاحتمالات حول غينيا الجديدة؟.. التي يُقدِّم الكاتب نبذة عنها وعن سكانها وتباينهم العرقي ولغاتها ومواردها.. ثم يقول على لسان مكرم "لا أحد فيها سوانا".. ومرّة أخرى عند نزول الجزيرة نجد السُّكان يُراقبون، ثم هم يرسلون أبنائهم للتَّعليم!
وطوال الوقت يتبادر سؤال لذهني.. لماذا لم يتم تجهيز البنية التّحتية قبل الإنزال؟.. ولماذا لم يحضروا بعض المُعدات والآلات الصَّغيرة التي تعمل ببطاريات.. مثال بسيط: مُكبر صوت مثلًا؟
ضعف هذه الحبكة يأتي من أن الكاتب صنع من هذا الخطأ تسلسل ساذج لنهاية روايته.
ثم نأتي لتصوّر الكاتب الهزيل عن الوطن الجديد الذي من المُفترض أنّه يتَّسع لأكثر من نصف مليون عربي قابل للزّيادة.. كنا نحتاج لتصوّر أقوى لبناء شآبيب كدولة ناشئة بشكل أفضل بدل تلك القرية الصّغيرة التي يعرف كل من فيها بعضهم البعض ويتقابلون يوميًا ويجلسون حول النار للتّسامُر والغناء كأنّهم في حارة. لم ينجح العرَّاب في رسم مشاهد مُقنعة للعرب الذين نزلوا علي أراضي بابوا / غنيا الجديدة والتي ظل يشبِّههم بالإنزال الكبير.. ثم نجد الجامع والكنيسة كوخين صغيرين!!.. (أتسائل.. لماذا لم توجد ولا حسينية واحدة؟).. والمدرسة بها 30 طالب!!.. (ولا نعرف يدرسون في مرحلة ابتدائي أم إعدادي أم ثانوي أم جامعي).
بالإضافة لكل ما فات كان هناك الكثير من السَّذاجة..
فمثلًا:
-يظهر مكرم في أكثر من مرّة وهو "يُخبر" الرَّئيس الأمريكي بمعلومات!.. وكأن رئيس أقوى دولة في العالم يعتمد عليه في نقل الأخبار والمعلومات ولا يمتلك أقوى جهاز مخابرات في العالم.
-استعان مكرم بأستاذ تاريخ وأديان مقارن وأديب ولم يفكر في الاستعانة بعالم نفس وبعالم اجتماع.. وبخبير إعلامي كان يجب أن يكون متواجدًا بين الشَّخصيات.. ويكون له دور بارز في مشروع بهذه الضَّخامة.
-مكرم يأخذ وعودًا من دول مُعادية للعرب ويسعون لإضعافهم لإقامة دولة عظيمة.. أعطوني أرض لأقيم دولة عظيمة ستفعلون كل ما بوسعكم لإضعافها!!
-صـ 131 ساذج جدًا تبرير مهارة مكرم في أخذ الوعود من قادة الدّول.. على طريقة الأب الذي وعد ابنة أن يزوِّجه ابنة بيل جيتس.
-يُهدِّد مكرم جوناثان وأستاذ علوم سياسية ورجل مُخابرات بالموافقة على مشروعه بأم ياسر التي تُنجب خمسة أطفال بينما لارا تُنجب طفلًا واحد.. قنبلة ديموغرافية ستنفجر في وجه الغرب وعليهم إبعادها.. وكأن الغرب عاجز عن مواجهة هذه المشكلة بسن القوانين فضلًا أنهم يُشجّعون المواطنون على الإنجاب أساسًا.
-صـ 139 يترأَّس مكرم الاجتماع في وجود الرَّئيس الأمريكي.. ويعرض عليه صور وفيديوهات له ولرجال وزارة الدِّفاع والمخابرات فيديوهات صنعها بنفسه للتَّأثير عليهم بأن يعرضها لأقل من 12 جزء من الثَّانية فتصبح تحت مستوى وعيهم ولا يستطيعون تحليلها!!.. أعتقد أن السَّذاجة هذه المرَّة فاقت الحد.
-يعتمد مكرم على أن لا أحد يعرف شيئًا ولا يذكر شيئًا عن غينيا الجديدة / بابوا.. بينما نعيش اليوم عصر المعلومات.. والحصول على معلومة يستغرق ثوان ربما.
-يقول على لسان أمينة: "مع كثرة الوجوه يصعب أن تقابل ذات الشَّخص مرتين.. أنا لا أرى ماهر ولا عبد المنعم.. أعتقد أنَّني لن أراهما ثانية في هذه الرِّواية".. عبارة سخيفة.. قد تناسب عبير في فانتازيا ولكنّها لا تناسب أبدًا أمينة في شآبيب.
-يُرسل مكرم خطابًا (لا داع لإرساله فلسنا في عصر الحمام الزَّاجل).. يشتكي فيه لجوناثان أنّه يعمل بلا إمكانيات تقريبًا وهي شكوى غريبة جدًا نظرًا لما ساقه قبلًا عن الإمكانيات الضّخمة التي تحت يديه نتيجة مشاركة أمريكا وأثرياء العرب المُتحمِّسين معه.
-سليم يعلن نفسه رئيسًا لشآبيب فوق منصة عالية أمام الحشد.. مشهد ربما يصلح لعمدة أمام قرية.
-سليم امتلك (بعد موت مكرم) لجهاز محمول يتَّصل بالقمر الصِّناعي.. ولم يمتلك مكرم نفسه واحدًا واضطر لإرسال خطابًا مكتوبًا إلى جوناثان يستغرق أسابيع حتى يصله!!
-العجيب أن سليم نفسه يرسل أيضًا خطابًا إلى جوناثان مع أمينة!!

** اقتباسات
"هي تخلَّصت من منذ عامين من مرحلة "الفتيان.. ياللقرف!".. التي تمر بها كل فتاة، وقد بدأت تجد أنّهُم مثيرون للاهتمام."

" وأنتِ تعرفين الهرمونات.. في النِّهاية تنتصر الغُدة النّخامية ويحدث شيء.. على قدر علمي لم تخُض الأخلاق صراعًا مع الغُدة النّخامية في التَّاريخ كله إلَّا وانتصرت الغُدة. إنّها لا تُقهر. كل الأنبياء جاءوا ليهزموا الغُدة النّخامية لكنّهم فشلوا.
- بل هي الغُدة فوق الكُلوية"

"في حياة كل منا كتاب ينتظره.. كتاب يُزلزل مفاهيمه ومعاييره ويجعله يتحمّس لأشياء بعينها، ولا يرى سواها.. "كوخ العم توم".. و"الإدراك العام".. "والإسلام وأصول الحُكم".. و"رأس المال".. كلها من تلك الكُتب الثّورية التي تُبدِّل حياة كاملة".


View all my reviews

27 يونيو 2016

Review: قيد الفراشة

قيد الفراشة قيد الفراشة by شيرين سامي
My rating: 3 of 5 stars

ربما سيبدأ أحدهم -مثلي- قراءة الرواية وفي ذهنه "ليلى" "الباب المفتوح" أو "أمينة" "أنا حرة".. نموذج لفتاة في مقتبل العمر تتطلع إلى حريتها وسط قيودها الأسرية والمجتمعية وذلك بمحاولات الفهم والتمرد والتجربة والخطأ.. ولكن مع أولى صفحات الرواية نجد أن "عالية" امرأة مُتعلِّمة ناضجة، مسؤولة، زوجة وأم.. نقطة بداية رائعة ومختلفة وتبشر بالخير.. فبالتأكيد اختلف وضع المرأة كثيرًا واختلفت القيود والضغوط عليها عن ثلاثينيات "أمينة" وخمسينيات "ليلى".. ربما تمنيت أن أرى "عالية" امرأة العقد الثاني من الألفية الثانية وهي تبوح بما يجثم على صدرها في طلاقة وانطلاق أكثر.. ربما أردتها أكثر حرية واستقلالية وحتى حدة في ردود أفعالها.. وحقًا تمنيت أن تكون "مروة" هي الشخصية الرئيسة بكل هذا الثراء في تركيبتها وتماشيها مع امرأة عصرية، متزوجة، عاملة، أم، ومستقلة بالإضافة لميولها المثلية التي تكتشفها .. إلا أننا لا نستطيع التعديل على الكاتبة بالقطع، ولا نقصد هذا يقينًا.. كل ما هنالك أنها أمنيات قارئ كان يطمح في إلقاء الضوء على زوايا غائمة.
فكرة أن تكون ثورة يناير معادل موضوعي لثورة "عالية" فكرة جيدة.. ينقصها فقط أن تكون خطًا سرديًا متماشيًا ومتوازيًا مع الخط السردي "لعالية" منذ بداية الرواية، ثم متقاطعًا معه مع تطور الأحداث.
في الأخير.. هذه رواية جيدها لكاتبة أعتز بأنها من كاتبات هذا الجيل.. وأعرف مدى حرصها على تقديم عمل مهم وعدم اعتمادها على الاستسهال.


View all my reviews

23 فبراير 2016

Review: فوكاليز

فوكاليز فوكاليز by نهى الماجد
My rating: 3 of 5 stars

فوكاليز.. "حاجة بين الغنا والصّريخ والكلام العادي بتاع كلّ يوم.. مش شرط تتفسّر هي إيه!.. المهم إن الصّوت بيطلع بوضوح وبقوة".. هكذا عرّفت الكاتبة نهى الماجد الـ "فوكاليز".. واختارته عنوانًا لمجموعتها القصصية، والحقيقة أنَّها كانت موفقة جدًا في اختيار هذا العنوان، فهو العنوان الأنسب على الإطلاق، ليس لأنه عنوان أقوى قصة في المجموعة، ولكن لسبب أهم من ذلك، وهو أن "الفوكاليز" حاضر بقوة في كلّ قصص المجموعة الخمس ويمثل حلقة وصل بينهم جميعًا، فهناك دائمًا أصوات حاضرة غير مفهومة ومجهولة المصدر أحيانًا، وأحيانًا أخرى هي أصوات معروفة ومفهومة.. كما أننا نجد صوت الرّاوي في مقدمة كلّ قصة من القصص مكتوبًا بالعامية، بعد جملة "يومًا ما قال/ت"، موجود أيضًا هذا الصّوت بين فقرات كلّ قصة من القصص، حيث يكون أشبه بالفضفضة التي تتخللها تساؤلات عدة.. ما شعرت به وأعتقد أن كلّ من سيقرأ المجموعة سيشعر به، هو أن القصص متصلة ببعضها، وأن هناك روابط تربطها جميعًا، ومحاور تتمركز حولها القصص، فبخلاف "الفوكاليز".. نجد أن الأبطال متشابهون.. لا نعرف عن ملامحهم ولا أعمارهم شيئًا إلا في "فوكاليز" حيث أن البطل في الثّلاثين من عمره، تصير ملامحه طفولية عند الغضب، وهو ما جعله يطلق لحيته.. وفي "شبَّاك أخضر" البطل في الخمسينيات.. قصير منمنم بتكوين طفل هزيل..، الأبطال جسدهم متهالك، رأسهم مشغول، قلوبهم لا تعمل وفي صراع مع العقل.. فالقلب كمثال تشبهه الكاتبة بالـ "عجينة حمراء" وهو تشبيه جديد أعجبني كثيرًا.. والقلب "زي الصّحرا".. "قلب ربما لا يعمل، وجسد يخدع دائمًا".. من صور تشابه الأبطال أن بطلة "فقدان مؤقت في الذَّاكرة" مثلًا.. لا تشعر بالوقت وتنسى الأحداث، وهو نفس حال البطل في "الحقائب السّوداء"، وفي "سِحر" تصبح البطلة خارج الزّمن بعد صلاتها في السّيدة زينب.. والبطلة في "سِحر" تحلم بوالدتها تمامًا كالبطل في "شبَّاك أخضر".. وفي "سِحر" نرى البطلة تريد التَّأكد من أنها على مازالت على قادرة على الحياة، وبوسعها إدراك مذاقات مختلفة، في "الحقائب السَّوداء" أيضًا يقوم البطل برحلة لنفس السَّبب، وفي "فوكاليز" تطرد البطلة البطل من أجل استعادة حياتها بينما يترك هو المنزل مرغمًا حتى يستطيع الحياة.. والحقيقة انني تساءلت في خاطري ماذا لو أن البطل في "شبَّاك أخضر" هو نفسه بطل "الحقائب السَّوداء"، وأن بطلة "سِحر" ربما هي بطلة "فقدان مؤقت في الذَّاكرة" نفسها، والتي من الجائز جدًا أن تكون هي الغريبة في "الحقائب السَّوداء"!!.. لم يأتِ هذا الخاطر وهذه التّساؤلات من فراغ وإنما كما أوضحت هناك روابط بين القصص، وهناك تشابهات بين أبطال هذه القصص، فكلّ الأبطال في حالة من "شبه الموت" ولكلّ منهم طريقته في أن يثبت لنفسه أنه مازال حيًا، ولهم أحلامهم / أساطيرهم الخاصة المستمرة، وربما ينتظرون أيضًا حدوث معجزتهم الخاصة.. وقد برعت الكاتبة في تصوير أحلام أبطالها في كثير من المشاهد.
هذا إلى جانب بعض عناصر التّشابه (أو لنقل عناصر التّرابط) التي تؤكد شعوري السَّابق، وسوف أتناول هذه العناصر بالتّفصيل، ولكن قبل ذلك يجب أن أهمس في أذن الكاتبة بفكرة خطرت لي وأراها مناسبة جدًا، وهي أن تجعل قصة "فوكاليز" في مقدمة المجموعة لأنها الأساس الذي بُنيت عليه باقي القصص.
هذه العناصر هي:
*الأصوات..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. البطلة تسمع صوت آتٍ من الأسفل، صوت مواء قطة، ولكنها تكتشف أنه مواء يخصها هي عينها!.. وتسمع أصوات اليمام والكروان بعد الفجر وهو ما يمثل لها الهدوء المنشود الذي تبحث عنه.. وتسمع أيضًا صوت الضَّجيج والزِّحام عند دخولها الحجرة وراء الرَّجل العجوز، سرعان ما استبدل بصوت سعال مفزع.. وفي النِّهاية هناك صوت مواء القط الشَّبيه بصوت تكات السَّاعة.
في "فوكاليز".. تعتقد البطلة بأن هناك أحاديث بين اللوحات والجدران.. وتسمع أصوات صراخ الحيتان في لوحتها وتشاركهم هي هذا الصُّراخ أحيانًا .. وللحيتان أصوات أخرى تسمعها البطلة عبارة عن صفير طويل ونحيب لا ينقطع، ربما لأنها تود التّحليق!.. "أصوات لا ينبغي أن تنطلق إلا من تكوينات هشة".. "تكوينات" مرادفة رأيتها غريبة في بادئ الأمر للتعبير عن الحيتان، وتساءلت لماذا لم تكتبها "كائنات"، ولكنني في النّهاية وجدتها انسب كثيرًا للتعبير عن الحيتان المرسومة في اللوحة، وهنا يجب أن أشيد باختيار الكاتبة لمرادفاتها.
وجيران أمّا البطل فيسمع أصوات الصّواريخ قبل محاولة انتحاره.
هناك أيضًا أصوات تأتي من خارج حجرة البطلين.. أصوات يسمعها البطل تشبه الصّراخ ولم تتوقف منذ أن أتى، أصوات تقترب وتبتعد ولا تتوقف، ثم تسمع البطلة صوت تكَّات شبيهة بتكَّات ساعة الحائط.. تكَّات عالية غير منتظمة تزداد وضوحًا كلّما اقترب منها البطل كقاطرة.. ثم تسمع صوت بكاء الطّفل، وصوت نباح الكلب الذي يذكّرها بذلك الكلب الذي تبحث عنه.
كلّ هذه الأصوات المتداخلة التي ينتبه إليها البطلان، لتوضيح مدى وصول العلاقة بينهما لحالة من "السّكون".
في "سِحر".. البطلة تسمع لأحاديث أخيها باستمرار، أحيانًا تميز ما يقوله وأحيانًا أخرى لا تتمكن من سماعها.
في "شبَّاك أخضر".. يسمع البطل ضجة غير مفهومة مصدرها بشر يرقصون.

*القطط..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. البطلة تكره القط، أو هكذا يخيل إليها أثناء فقدانها المؤقت للذّاكرة.. فالبطلة في هذه القصة في حالة دائمة من النِّسيان أو التَّناسي.. وفي نهاية القصة نعرف أن هذا القط هو أقرب ما يكون إليها!
في "الحقائب السّوداء".. البطل يأكل مع قطته في طبق واحد.. وعند قيامه برحلته فإنه يتركها خلفه.
في "سِحر" البطلة تخاف من القطط وعلى مشارف كرهها، وتعتقد بأنها كائنات بشعة غير أن هناك قطة تسللت إلى قلبها بعد أن شعرت بأنها تشبه حالها كثيرًا، وعند عودتها من مغامرتها القصيرة أدخلت قطة بثلاثة أرجل معها إلى البيت.
في "شبَّاك أخضر" يأخذ الكلب مكان القطة كونيس للبطل في وحدته.

*النّوم..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. نجد البطلة تحب النّوم ولا تشبع منه.
في "الحقائب السّوداء".. النَّوم يكسر الملل في حياة البطل.
في "شبَّاك أخضر" البطل يخشى النَّوم.
وفي كلّ مرة نلاحظ وجود سؤال دائم يكون ظاهرًا أحيانًا وضمنيًا في أحيانٍ أخرى، وهو: لماذا نستيقظ؟

*المطر..
في "الحقائب السّوداء".. كانت "أحاديث السّماء" سببًا في اختباء البطل، من ثم لقائه بمن تشاركه تلك اللحظة والمساحة..
كان المطر حاضرًا خارج جدران المكان الذي يتواجد به بطلي القصة في "فوكاليز"

*الدِّفء..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تجده البطلة وتشعر به من اقتراب القط منها.
في "الحقائب السّوداء".. يجده البطل في عطر الغريبة التي آنست وحدته في مدخل البناية القديمة.
في "سِحر".. تجده البطلة في أخيها.
في "شبَّاك أخضر".. يشعر به البطل بعد الحديث مع طيف حبيبته.. أو يمكننا القول ان البطل يجده في استدعاء ذكرياته.

*القبلة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تتوقف البطلة عن التّنفس والحركة وعن الحياة بعدما قبّلها "شخص أو عفريت" في الشّارع.. قبلة طويلة ثقيلة، أمّا القبلة الثّانية فقد أيقظت كلّ ما فيها وجعلها تبكي ذاك البكاء الدّافئ، وبالرّغم من ذلك لم تمنحها القبلتان أي شيء، على العكس امتصتا منها كلّ شيء! وفي القبلة الثّالثة جعلتها تتنفّس كما لم تفعل من قبل.
وهناك تلك القبلة من القط في نهاية القصة.
في "الحقائب السّوداء".. يقترب البطل من الغريبة ويقبلها تلك القبلة التي "تدفع عقله للتّفكير" فلا يجد إجابة سوى شفتيها.
في "فوكاليز" تتساءل البطلة عن شكل ملامح حبيبها عندما يقبلها.. ودفعتها القبلة للبكاء.. وقبلة أخرى أعادتها من أحلامها إلى الأرض قبل أن تغرق مع حيتانها.. أعادتها لأول السطر وأبكتها مجددًا.

*الشّعور بالغربة عن النّفس والوحدة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. لا تعرف البطلة نفسها جيدًا وتشعر بالوحدة. "أنا يمكن أكون فاهمة الدّنيا.. لكن مش فاهمة نفسي".
في "الحقائب السّوداء".. البطل يعيش وحيدًا منذ سنين. لم يعد يخاف من شيء إلا نفسه.
تعودت البطلة على الوحدة في "سِحر" لدرجة لم تتقبل وجود أخيها في حياتها، فأخذت تتجاهله كي ييأس ويغادر ويتركها لوحدتها. البطلة تعيش في أزمة "ماذا عليه فعله؟ وكيف تفعله؟"
وفي "شبَّاك أخضر".. البطل وحيد لا يؤنسه سوى ذكرياته وكلبه.

*المرآة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. لم تستطع التّعرف على نفسها عند النّظر للمرآة.
في "الحقائب السَّوداء".. يقف البطل أمام المرآة عاريًا يتأمل ندوبه وثقوبه نتيجة الحنين والنّدم والذّكريات، ومع ذلك هو لا يرى حاله!
في "شبَّاك أخضر".. يحاول البطل أن يتجنب النّظر في المرآة هربًا من حقيقة الجمود في حياته ومن الإحباط.

*البحث عن شيء كان موجودًا واختفى..
يحدث ذلك مع وجود أدلة على وجوده، ويقين القلب به.. فالأمر لا يحتاج إلى دليل ولا إلى شهود "فأنت هو الدليل".. في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. الرجل الذي قبَّل البطلة ثلاث مرات اختفى، وبقى الرّجل العجوز والزّهور جواره.. وفي "الحقائب السّوداء".. البطل يبحث عن الغريبة التي كانت معه "عقله يخبره بأنها ليست حقيقية، وقلبه يخبره بالعكس".. وفي "سِحر".. البطلة تبحث عن القطة التي اقتربت منها في مسجد السّيدة زينب وجلست فوق رجلها.

*الظّلام..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة" البطلة تعرف طريقها في الظّلام، ولا تتعثر حيث أن "كل شيء فيها يرى في الظلام بوضوح" لم تعد تخشاه البطلة، بل وأصبحت تحتاج إليه أيضًا لأنه يشعرها بالخلاص.
في "الحقائب السّوداء".. انقطعت الكهرباء وحل الظّلام حول البطل، وهو مختبئ من المطر.
في "فوكاليز" انقطعت الكهرباء.. وبقى البطلان في الظّلام.

*الغرق..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. بعد اجبار البطلة على تدخين سيجارة لا تعرف "هل تحترق أم تغرق؟".. وشعرت بأنها تموت غرقًا بعد القبلة الثّانية من رجل صادفته في الشّارع.
في "الحقائب السّوداء".. البطل يغرق في محيط عيون الغريبة الهادئتين المخيفتين.
في "فوكاليز".. الحيتان تغرق في لوحة البطلة، وتتساءل "هل تغرق الحيتان مثل البشر في بعض الأحيان؟".. البطلة نفسها ببساطة كانت تغرق.. كما نعرف أنها تخاف السّباحة مع البطل في البحر خوفًا من غرقهما، والحقيقة أنها تخاف من "أسطورتها الخاصة" بخروج حوت من البحر لابتلاعها.

*الابتلاع..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تشعر البطلة بالابتلاع عندما تضم أحدهم، أو يضمها أحدهم كأن المساحات بين الأذرع حفرة عميقة لا تفعل شيئًا سوى الابتلاع!
في "الحقائب السّوداء".. يختبئ البطل من المطر داخل إحدى البنايات القديمة فـ "ابتلعته بوابتها وشبح الظّلام".
في "فوكاليز".. البطلة ترى البطل والموج يبتلعه "هناك أشياء كثيرة قد تبتلعها في أي لحظة، وليس مجرد حوت".. وعندها شعور بأنها "لم يكن صعبًا كي تدرك أنّها كانت تُبتلع، لتستقر في قبرٍ من نوعٍ خاص.

*الهروب..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. تهرب البطلة من القط الذي تكرهه أثناء فقدانها المؤقت للذّاكرة، أو بمعنى أدق اثناء "تناسيها" الذي يمثل الهروب من مخاوفها.. الهروب مما تنتظره!.. من إحباط الواقع إلى عالم أحلامها الخاصة، وفي خضم كلّ هذا نجد ان البطلة نسيت مما وممن تهرب!
في "الحقائب السّوداء".. البطل في حالة هروب مستمر ممن يطاردونه في أحلامه، ويرى أن الحل في حتمية القيام برحلة تأخذه بعيدًا عن كلّ شيء.
في "فوكاليز".. استقرت البطلة في بطن الحوت "ما من نوافذ أو وسيلة للهروب" بعدما صارت أضعف وقادرة على الاستغناء والصّمت.. والبطل هرب -أو هو يأمل أن يفعل- للمرة الثّانية بعدما أخرجته البطلة من حياتها.. وعندما أصبحت العودة بالنّسبة إليه مستحيلة والاستمرار في العلاقة مستحيلة كذلك.. وقد كان هروبه الأول منها عندما تزوج بأخرى.

*البساطة والسّهولة..
في "فقدان مؤقت في الذّاكرة".. لا تجد البطلة ما تريده بسهولة "الحياة مش بالبساطة دي"
البطل في "فوكاليز" لم يتعوّد أن يجد الأشياء بسهولة..
في "سِحر".. تتساءل البطلة.. كيف ولماذا تحدث بعض الأمور ببساطة؟!

في النّهاية.. اختارت الكاتبة أن تكون صوت الرَّاوي العالم بالأمور في ثلاث قصص، وهي "فقدان مؤقت في الذَّاكرة، ممنوع اصطحاب الحقائب السَّوداء الضَّخمة، وفوكاليز"، أمَّا في قصتي "سِحر، وشبَّاك أخضر"، فلقد جعلت الكاتبة من البطل صوتًا للرَّاوي.
لا أعلم هل هي مجرد صدفة أم تفكير مسبق وأمر مقصود ومخطط له من الكاتبة أن يتقاسم الرّجل والمرأة أدوار البطولة في القصص الخمس؛ فنجد أن المرأة حاضرة كبطل في قصتي "فقدان مؤقت في الذَّاكرة، وسِحر"، ويلعب الرَّجل دور البطولة في قصتي " ممنوع اصطحاب الحقائب السَّوداء الضَّخمة، وشبَّاك أخضر"، بينما يقتسمان البطولة في "فوكاليز".
جاء اختيار العناوين جيدًا، ماعدا عنوان "ممنوع اصطحاب الحقائب السّوداء الضّخمة"
لا تعطي الكاتبة أي معلومات عن زمن وقوع احداث قصتها، سوى في مرة واحدة في قصة "الحقائب السّوداء"، حيث نعرف أن الأحداث تجري في الشِّتاء.
استمتعت كثيرًا بقراءة هذه المجموعة القصصية المميزة لكاتبة موهوبة لها اسلوبها وخطها ومذاقها الخاص في سرد القصص القصيرة، وأتمنى لها كلّ التَّوفيق والنّجاح.


View all my reviews

16 فبراير 2016

عرض كتاب.. مملكة الدَّيْجور




مملكة الدَّيْجور.. مجموعة قصصية تتكون من تسع قصص قصيرة للكاتبة رحاب الخضري، تنتمي جميعها إلى الواقعية الكلاسيكية، فالقارئ سيجد قدميه قد انغمستا في تفاصيل واقعية دون أي رتوش بمجرد أن يتصفح الكتاب..، إلا أن الكاتبة وضعت رتوشها الأدبية الخاصة، وإضفاء أسلوبها المتميز بتمكنها من اللغة العربية ومفرداتها، ودقة اختيارها للكلمات المناسبة للتعبير بها عما تريده تمامًا، وامتلاكها القدرة على استخدام التشبيهات وتصوير المشاهد وتجسيدها للقارئ بما يرسخ في مخيلته لوحات مرئية، مثال على ذلك قولها: "أرضٌ بكر مشبَّعة بالخصوبة أرضها، وفأسٌ أعوج صدئ النَّصل فأسه" في قصة (ليتها دامت رائحة القهوة).. "وكأنه ابن شرعي للحائط، أنبتته بجوارها" في قصة (الحائط).. "لتتركها بحيرة أنهكها الجفاف، جذع شجرة خاوٍ يابس.. ملقى على الطَّريق، راهبة تتخبّط في صخب الحياة" في قصة (فينوس الرَّاهبة).. "كانت ليلة عمر ملتحفة بالأسود القاتم".. "أن تنحر سعي النَّهار قربانًا لحياة الليل" في قصة (مملكة الدَّيْجور).. "مع نسمات الفجر الملطخة بالأبخرة السَّامة" في قصة (المصنع).. مشاهد غرق الحجرة في قصة (حجرة سكنها الوجع).

الكاتبة تجعل البطل دائمًا في مواجهة قاسية مع القدر، أحيانًا يتمّرد على هذا الواقع ويحاول تحديه وتغييره، ونرى ذلك في قصص (فينوس الرَّاهبة، مملكة الدَّيْجور، وابتسامة نور)، وفي أحيانٍ أخرى نجد البطل مستسلمًا لقدره، راضيًا -أو هو مجبر على القبول والرّضا- بحاله، وذلك كما نرى في قصتي (ليتها دامت رائحة القهوة، والحائط).. برغم هذا الواقع المأساوي، نلاحظ أن الكاتبة لا تجعله سوداويًا بالكامل كما يبدو من الظاهر، فالحقيقة أن الكاتبة تزرع الأمل بين سطور حكايات أبطالها كما سنرى في عرض كل قصة على حدة.

تتصدّر قصة (ليتها دامت رائحة القهوة).. تنسج هنا الكاتبة على منوال تيمة المقولة الشهيرة.. "لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع".. ونجد أن البطلة "فاطمة" مستكينة للواقع، راضية به لا تحاول ولا تفكر حتى في التمرد عليه، مبررة ذلك لنفسها كي تقنع نفسها بأن "الفرح له ناسه، وإحنا اللي الهم اختارنا".. طريقتها في مواجهة القدر كـ "متهم برئ ينتظر نطق القاضي بحكم الإعدام الباطل الذي لا يستحقه" ويمكننا هنا إضافة.. ولا يملك حق الدفاع عن نفسه ولا القدرة على ذلك.

في قصة (الحائط).. نجد البطل يعيش وفق روتين يومي لا يغيره، مقتنعًا باستحالة تغيير واقعه، فالنهاية لن تكون في صالحه أبدًا.. والحائط في القصة ليس مجرد مكانًا يستند عليه البطل ويعتبره حضنًا ككل -أو معظم- البسطاء، ولكن يمكننا القول أن الحائط المقصود هو ذاك الجدار السّد في طريق شاب بسيط طموح، لا يملك من القوة ما يواجه به قسوة الواقع.

في قصة (فينوس الرَّاهبة).. نجد البطلة في حالة تحدي لواقعها، لمرضها الذي سلبها أنوثتها في البداية، ثم لخذلان حبيبها الذي تخلى عنها.. أعجبتني هذه القصة كثيرًا ولم يفسد هذا الإعجاب سوى العريس الذي تقدّم للبطلة وهو يعرف عنها كلّ شيء.

الواقع مأساوي مرةً أخرى في قصة (حجرة سكنها الوجع)، ولكن في النهاية برغم كلّ شيء تزرع الكاتبة بعضًا من الأمل بعد إصلاح دار البطل وعلاجه وتعويضه ماديًا وبراءة زوجته من ظنونه.
جاء تصوير مشاهد غرق الحجرة بارعًا، وببراعة أكثر جعلت الكاتبة السيول تُغرق الحجرة في الوقت الذي غرق فيه البطل في ظنونه وأغرق زوجته بها حتى ابتلعتها تمامًا مثلما فعلت بها السيول.

مملكة الدَّيْجور.. مملكة الصِّدق.. أجمل قصص المجموعة على الإطلاق.. ولقد حجزتها مسبقًا من الكاتبة لعمل سيناريو فيلم لها، ولقد وافقت، وها أنا "أدبسها" مرةً أخرى :D
البطل في هذه القصة يعاني من متلازمة نيكتوفيليا Nyctophilia : حب الظَّلام.. حدث هذا بعد أن استطاع تحويل مخاوفه إلى عشق، حيث تؤكد الكاتبة على فكرة.. نحن من يخلق مخاوفنا الشخصية بغلق أعيننا عنها وتسليم النفس لخيالات مزعجة.. بمجرد مواجهة البطل لمخاوفه تكيف مع وضعه الجديد وتعود عليه، بل وأحبه وأصبح عالمه.
قصة رائعة بالتَّأكيد.

عنوان ذكي آخر -إضافة لكلّ عناوين المجموعة- تضعه الكاتبة على صدر إحدى قصصها وهي قصة (كوب من الخيبة)
وهي قصة طريفة، أعترف بأن نهايتها خدعتني.. أفسد القصة كثرة الجمل الحوارية، رغم روح المرح وخفة الظِّل الذي أظهرته الكاتبة وبرعت فيه.
في قصة (المصنع).. تطل قسوة القدر برأسها مرة أخرى، فالبطل مجبر على التّخلي عن طفولته، وعلى قبول العمل الشَّاق الذي يصل لحد السُّخرة، إلا أن بارقة الأمل تطل برأسها هي الأخرى من خلال أحلام البطل "عالمه البديل".. فالقدرة على الحلم أراها أول طريق التّمرد..، كما نتلمسها أيضًا في رفض البطل للإهانة.

خلافًا لطريقة السّرد التي اختارتها الكاتبة في كلّ قصص المجموعة، وهي طريقة الرّاوي العالم بالأمور، نجد في قصة (أصابع الموت) أن البطل هو الرَّاوي، كما تخالف الكاتبة باقي قصص المجموعة في كتابة الحوار في هذه القصة باللغة العربية الفصحى.. "القطار انتبهي القطار" "حرامٌ عليكِ شبابك".. وهو ما رايته غير متسق مع المجموعة.
تؤكد الكاتبة في هذه القصة نفس فكرة مواجهة المخاوف، حيث تجد البطلة نفسها مضطرة لمواجهة مخاوفها، وعندها تنجو منها، في نهاية كانت بمثابة مفاجأة لي.

في قصة (ابتسامة نور).. نجد البطلة في حالة تحدي مستمرة لقسوة قدرها، ولم تسمح له أن يهزمها على طريقته، وبالرّغم من أنها تعرف النِّهاية الحتمية لها، إلا أنها شاءت أن تكون بطلة حكايتها، وأن تعرف موعد نزول السِّتار، ورفضت أن تلعب دورًا ثانويًا.
هذه القصة للأسف اعتبرها أضعف قصص المجموعة من حيث البناء حتى وإن كانت الفكرة جيدة جدًا.
فحتى إن لم أتعجب من طلب البطل لسيجارة وهي في مستشفى!.. إلا أنني تعجبت جدًا من حصولها عليها، بل وتدخينها أيضًا في حجرة إحدى المريضات!..
كما أن كثرة الجمل الحوارية أفسدت القصة كالعادة، فالقصة القصيرة هي فن السّرد البعيد عن الحوار قدر الإمكان، وإن اضطر الكاتب لاستعمال الحوار فيكون ذلك في أضيق الحدود.

في النِّهاية.. استمتعت بقراءة المجموعة حقًا، فأنا امام كاتبة موهوبة عندها الكثير الذي لم يخرج بعد، وأتمنى ان تنطلق بخيالها دون تقييد شعرت به، كما أتمنى أن تستغل طاقتها السّاخرة الكبيرة التي أعرفها عنها من متابعتي لمدونتها في عرض الواقع، فإن فعلت فلا أشك انها ستكون واحدة من ألمع الأدباء في هذا المجال.
مع التّمنيات بالنّجاح والتّوفيق الدّائمين.

17 سبتمبر 2013

Review: لحظات تأمل


لحظات تأمل
لحظات تأمل by مروه زهران

My rating: 3 of 5 stars



أفضل ما يمكننا البدء به لعرض الكتاب هو اقتباس مقدمة الكاتبة نفسها التي شبَّهت فيها مراحل الحياة بمحطات فتقول: "أنقى وأطهر المحطات هي محطة الطفولة.. نتذكرها دائمًا ويأخذنا الحنين إليها.. ونتمنى أن نعود إليها.
أروع المحطات هي محطة الصداقة.. بها تشعر أنك وجدت نفسك وإلتقيت بها.. نلجأ إليها دائمًاً عندما تجرحنا باقي المحطات.. ونتمنى أن ترافقنا دائمًا.
أعذب وأحب المحطات إلى قلوبنا هي محطة الحب.. محطة توحد القلوب وتآلف الأرواح.. نحلم بها من بداية الرحلة، ونتمنى أن يصل إليها القطار سريعًا.
أقسى المحطات وأمرها على قلوبنا هي حطة الغدر و الخيانة.. بها تتساقط الأقنعة وينتهي سحر الكلمات فتُصدمنا الحقيقة ويُبكينا الواقع.. تُعلمنا دروس قاسية، وأحيانًا تجعلنا نفقد الثقة ونتعامل بحذر مع من نقابلهم في رحلة الحياة.
أصعب المحطات وأشدها ألمًا هي محطة الفراق و الوداع.. بها نفقد صديق أو نودع شخص عزيز علينا ويصبح ذكرى نشتاق لها وتؤلمنا.. نعلم جيدًا أننا سنمر بها، ولكننا نتمنى ألا نمر بها أبدًا.. أو يحدث عطل في أجهزة القطار ونصل إليها متأخرين."
ثم تقول: "الرحلة مستمرة دون توقف مهما اختلف اسم المحطة التي سنمر بها، ومهما حدث من مفاجآت وأحداث وتأثرنا بها، ومهما اختلف الجالسون بجانبنا واختلفت مشاعرنا تجاههم، ومهما حاولنا أن نوقف القطار عند محطة معينة، أو انتظرنا بشوق ولهفة المحطة المقبلة، أو تمنينا أن يعود بنا القطار إلى محطةٍ ما، مهما حدث ستظل الرحلة مستمرة إلى خط النهاية."
لا ترى الكاتبة في نفسها كاتبة محترفة، وإنما هي عاشقة للقراءة، رزقها ربنا بعقل تفكر به وقلب تحس به، وخيال.. هو عالمها المفضل، هذا بالإضافة لكونها (التلميذة الكسلانة صـ 15) لقلم فيلسوف مشاغب، هو من أقنعها بالإقدام على مغامرة الكتابة، بشرط أن تكتب كلمات خارجة من القلب وإلا سيتركها ويرحل ليستخدمه كاتب مشهور كأحمد صالح أو ضياء عزت، وبالرغم من كونه جمادًا إلا أنه يتصف بالعديد من المميزات التي لا توجد في أي قلم آخر، فهو شاطر وذكي ومثقف (يستخدم جمل مقتبسة لكبار الأدباء)، وسريع وخطه حلو، وعنيد وجريء، عنده الاستعداد للتضحيه بحبره ووقته ومجهوده من أجل صاحبته التي تراه متهورًا مغرورًا.
تبدأ أولى محطات الرحلة بمحطة (الأحلام الوردية صـ 17) التي تعبر عن أمنياتنا وتقاصيلنا الدقيقة جدًا، أحيانًا يقبلها الواقع، وأحيانًا أخرى يرفضها، ولكنها تظل دائمًا الباب الخلفي للهروب من قسوة الواقع.
ثم نمر بمحطة الطفولة ببراءتها وشقاوتها، عبر خاطرتين هما (صغيرتي صـ 21) و(طفلتي الصغيرة صـ 22)، وإن كنا سنشعر بحنين مروة للطفولة في معظم خواطر الكتاب.
وفي محطة الحب، تبدأ مروة بالعزف لنا "أجمل وأرق الألحان"، لحن الأحلام الأسطوري، الشاعري، لحن الأمل والفرح والحياة، (لحن الحب صـ 21).. تقول مروة: "لحن الحب هو لحن الاحتواء والأمان، يحتوي حيرتي وغربتي عن نفسي وعن عالمي، يضمني، يحميني كطفلته الصغيرة".
"لحن الحب هو لحن الأمل، به أحطِّم قيود الخوف وأسوار المستحيل".
"لحن الحب هو لحن الحياة، هو قدري وبه تكتمل حياتي وأحلامي وعالمي، ومعه اكون أسعد عاشقة وزوجة وحبيبة وطفلة وصديقة وأم بالعالم."
"لا تسألوني كيف تركته على أوتار قلبي، فهو من اعاد إليّ الإلهام، وأطلق لخيالي العنان، ليكتب قصائد بأحلام وردية ويخلدها كأسطورة للعشق الأبدي."
ثم تطرح مروة سؤالًا معتادًا لكل (بنوتة) عن فارس الأحلام (من تكون؟ صـ 30) فتقول: "متى ستأتي؟.. ألا تعلم كم امتلئت دفاتري بخواطري عنك؟".. "لا تضيع الوقت، فأمامنا الكثير لنفعله معًا، اطمئن، لا أريدك أن تاتي بحصان أبيض، أو تكون الأمير الوسيم، (لكن مفيش مانع تحارب شوية عشان خاطري)، ولا أريد قصتنا أن تكون قصة خيالية، فقصة حبنا سنكتبها معًا".. تؤمن مروة أن الحب حنان ومودة ورحمة، وعلى فارسها أن يكون أميرًا حقيقيًا، والأمير الحقيقي عندها هو: "اللي هيحبها، هيحافظ عليها ويراعي ربنا فيها، حضنه هيكون ليها الحنان والأمان، وقلبه هيكون ليها السكن والمودة والرحمة، وقتها هتحبه زي ما هو؛ لأنها هتحبه وتشوفه بقلبها، بعين الحب، حتى لو مفيش حصان أبيض، ولا هو الأمير الوسيم، المهم يعيشو أجمل قصة حب.
تكون في عينه أجمل وأرق من سندريللا، ويهديها قلبه ليكون مملكتها وهي الملكة المتوجة على عرشه".
ثم تأخذنا لنجلس مع صديقها الوفي، البحر الذي تسأله عن حبيبها فيواسيها ثم تعود هي لتواسيه!.. تقول له في (عاشق البحر صـ 35): "أبوح لك بما في قلبي.. فتستمع إليّ بدون ملل أو تذمر".. "فأنت تعرف من أنا".
ثم تفتح لنا قلبها لتخبرنا عن هذا الفارس الذي يستحقها، أما سواه، فعذرًا قلبها ليس له في (عذرًا.. قلبي ليس لك صـ 39) ولكي يستحقها يجب أن يكون مؤمنًا بالحب الصادق.. "فالحب الصادق هو الوحيد الذي يملك المفتاح، ولكن الحب الزائف يحاول دائمًا أن يتسلق الأسوار المرتفعة حتى يصل إلى المدينة الجميلة، فيسرق ويستنزف كل مشاعرها وأحاسيسها الرقيقة، ويتركها بعد أن يشوه جمالها."
وأن يكون قادرًا على تحقيق أحلامها الكبيرة في الحب، فهي تريد حبًا واضح المعالم والنهايات وليس مجرد
تسلية.. "حبًا يزينه صدق النوايا، وليس حبًا يحيرني ويجهد تفكيري ويثير قلقي وشكي، حبًا يحتويني ويحميني، وليس حبًا يرهقني، حبًا أثق في وجوده واستمراره ضد العواصف والأزمات، وليس حبًا أبكي على أطلاله."
"فقلبي يتوق للحب، ولكن الحب الذي يكون فيه الحبيب هو الزوج".
ثم تبوح لنا مروة بأسرار تلك الطفلة الشقية وأسرار حبيبها، والتي حققت حلمًا من أحلامها وهو الكتابة عن قصة حبهما في (حكاية حب وعشق أبدي صـ 42)، فكتبت تقول: "أنت من منحني الحب، وجعلتني أعشقك ولا أنساك، سأمسك يدك وأتشبث بها، ولن أتركها".. "من كان يقرأ حيرتي وأفكاري، ويفهم صمتي قبل كلماتي.".. " وأنك أنت حبيبي أروع وأحن وأصدق رجل بالعالم".
قبل أن نكمل رحلتنا يجب هنا أن نسجل ملاحظة وهي أن كتاب لحظات تأمل سيبدو لمن يقرأه أنه تم تقسيمه لجزأين (أغلب الظن أنه ترتيب مقصود للخواطر أرادته الكاتبة، وهو مما يحسب لها)، الجزء الأول يضم اللحظات (المحطات) السعيدة، وهو ما عرضناه، أمَّا الجزء الثاني فيضم لحظات الحزن والانكسار والجرح والضعف، على النحو الذي سنتعرض له فيما يلي.
تعبر بنا مروة الشاطئ الآخر من الحياة، وتمضي بنا عبر خواطرها إلى محطات الحزن والألم، وتبدأ رحلتها بخاطرة (انكسارات صـ 51)، تقول: "إحساس مؤلم عندما تفضل إخفاء أحاسيسك ومشاعرك الحقيقية خلف أقنعة مزيفة، عندما تهرب من خوفك وضعفك خلف قناع من القوة، عندا تخفي الحيرة والتشتت الذي يكسو ملامحك خلف قناع من الهدوء والصمت، فتصطنع الهدوء وتعتصم بالصمت عندما تجد كلماتك عاجزة عن التعبير عما بداخلك، عندما تخفي حزنك وألمك خلف قناع من المرح، فترسم الابتسامة المزيفة على وجهك، لتُطمئِن من حولك انك بخير.
والأكثر ألمًا عندما تحاول بشتى الطرق إثبات أنك سعيد، فتخذلك دموعك وتسقط، تخونك وتنساب على الرغم من وعدها لك أنها لن تظهر ألمك، وتعرضك لأسئلة تهرب من الإجابة عليها خلف هذه الأقنعة المزيفة."
وفي (حيرة صـ 52) تقول: "في زحمة الحياة نضيع أنفسنا، وعندما نفتقدها نبعد عنها، فنجدها في دوامة وصراع مع الأفكار المشتتة والأسئلة الحائرة، معلقة بين عالمين مختلفين: عالم تتمنى أن تكون فيه بروحك وقلبك وعقلك وكل كيانك زتستمتع بكل تفاصيله،.. وعالم تشعر فيه بالغربة والوحدة".
وعن الـ (جرح صـ 53) تقول: "مؤلم أن يكون جرحك ممن أحببت، والأكثر ألمًا أنك مازلت تحبه وهو مازال يجدد جرحك ويؤلمك أكثر!"
ثم تصل بنا مروة إلى محطة الذكريات، وتخبرنا كيف لها أن تتآمر علينا في (مؤامرة الذكريات صـ 54)، وكيف استسلمت هي لها، تقول: "لا أستطيع الهروب منك، كلما حاولت الهرب، أهرب منك إليك، حسنًا، سوف أتآمر معك على قلبي وعقلي."
ثم تحكي لنا عن الطفلة التي تغيَّرت، وابتسم لها القمر رغم اليأس في (وجه يتسم رغم اليأس صـ 60).
وهي عندما تحكي عن تلك الطفلة فكأنما تحكي عنا جميعًا، فمن منا لم يشعر بمثلهذا الإحساس يومًا؟.. تقول:
"أكثر ما يؤلمنا هو أننا عندما كنا أطفالًا كانت لنا أحلام نتمنى تحقيقها، وكنا نراها مثل قوس قزح بألوانه الجميلة الرائعة، ولكن عندما نكبر، تصطدم أحلامنا بجدار من الواقع، فتتحطم وتتلاشى أمامنا، فتصدمنا الحقيقة ويبكينا الواقع، ولكن الأكثر ألمًا أننا عندما نفقد أحلامنا نفقد أنفسنا معها، وعندما نشعر الضياع والغربة والبرودة نفقدها، فنحث عنها لنتواءم ونتصالح معها ولكننا لا نعرفها، نجدها تغيَّرت كثيرًا، لم تعد كما كانت، فلا تدري ماذا تفعل!
أتمنع دمعة ألم من السقوط أم تظهر ابتسامة يغلفها الحزن؟!"
محطة الفراق..  هي محطتنا التالية.. بمجرد وصولنا إلى خاطرة (نظرة وداع صـ 64) سنشعر بقسوة ومرارة هذا الإحساس فـ "عندما تأتي لحظة الوداع الأبدي فإن عقولنا لا تستوعب غياب من أحببنا عن عالمنا، ترفض تصديق أننا لن نراه مرةً أخرى، فنشعر أن كل شيء حولنا توقف عند هذه اللحظة، الحياة والزمن، وأننا انتهينا وانكسرنا ولم نعد ولن نعد كما كنا، فنبحث عن أحدٍ لنتهمه أنه السبب في عذابنا وألمنا وسرقة سعادتنا وأحلامنا، ولا نجد غير القدر والحياة، فنتهمهما بأنهما انتزعا جذور الأمان من تربة حياتنا، ونقذفهما بالكثير من الاتهامات كأنهما من أعدائنا، وأحيانًا نتوعدهما أنهما لو كانا بشرًا لقتلناهما وانتقمنا منهما."
ولكن هناك جانب آخر للفراق، فعندما يكون قدر الحب الحقيقي ألا يكتمل، ويتفق العاشقان على الفراق كي يعش حبهما، ويصبح أسطورة يتحاكى عنها الجميع، حتى وإن تكتمل تلك الأسطورة، فحينها بالتأكيد يكون الفراق مختلفًا، وهذا بالظبط ما نلمسه في خاطرة (أسطورة لم تكتمل صـ 106).. تقول: "افترقنا لنحيي حبنا! لنجعله يتنفس، لنترك له فرصة للحياة ونجعل من قصة حبنا أسطورة لم تكتمل."
في عدة محطات لاحقة تطرح مروة عدة تساؤلات، وتقوم بالإجابة عليها، ففي (لم نعد كما كنا صـ 74) تجيب على سؤال (كيف تتسلل الصداقة إلى منطقة الحب المحظورة؟) ولماذا ترفضه حينها، تقول: " لأنك أحبتني تزايد خوفي وضعفي، فأنت تعلم ان منطقة ضعفي هي عالم الحب، تعلم أنني اخشاه، والآن أخشى حبك لي، كنت تعلم وتدرك كل هذا، ولكن الحب جعلك تتجاهله، الحب جعلك كطفل عنيد، يحبو تديجيًا إلى منطقة محظورة.
أرجو ان تفهمني، مشاعي وأفكاري مشتتة متعبة، لقد اكتفيت بصداقتك ولكنك لم تكتفِ بها، ولم تتركني أحميك وأحمي نفسي بها."
"لا أريدك أن تتألم، فأنت في حياتي أغلى من أن ألقي بك في دوامة من الصراع، صراع مع خوفي وضعفي وحيرتي.
وداعًا يا صديقي."
وفي خاطرة (يا من كنت حبيبي صـ 82) تجيب على سؤال (هل يقبل الحبيب بعودة حبيبته التي هجرته مرة أخرى، أم سيرفض؟)
هل يقتل الخوف الحب؟.. كيف؟.. هذا ما سنعرفه في (سامحني يا من أحببتني بلا تردد صـ 85).
تصف مروة هذا الإحساس بعباة من أجمل ما يكون.. تقول: "أحببتني بصدق ولكنني أصبحت أسيرة الخوف، فأحببتك بصمت."
"لقد أحببت فتاة.. تخشى النهاية ولا تتجرأ على البداية."
وفي محطة الحزن تخبرنا كيف نكون متعلقين بالحزن، أو يكون الحزن متعلقًا بنا، ونجدها قد تغلغلت في نفوسنا لتخبرنا عن الحزن الذي يصبح عنوانًا للحياة في (عنوان حياتي صـ 79).. تقول: "أحيانًا تتمنى الهروب من نفسك، من أفكارك، من صمتك، من وحدتك، من ألمك، من كل شيء يؤرقك ويجعلك تعاني، فتبدأ الهروب من الحزن الذي أعتدت عليه وتعايشت معه، تخبره أنك دائمًا كنت لطيفًا معه، فتقول له: إنك استضفته وأكرمته وتركته يتحكم بحياتك، ولكن استضافتك له طالت، وتتمنى بكل أسف أن يرحل، وتبدأ في توديعه، ولكنه بكل وقاحة يرفض! فتضطر أن تتخلى عن لطافتك، وتقول له: إنك مللت منه وسئمت الحياة معه، ولكنه أيضًا لا يتأثر، فتقرر أن ترحل أنت وتترك له المكان، فتجده متعلقًا بك!
أيتعلق الحزن بنا عندما نرحل؟! ألهذه الدرجة أصبح قريبًا منا؟!"
وتتعجب من جرأة الحزن واقتحامه لحياتنا فتقول: "أيها الحزن، من أين أتيت بكل هه الجرأة؟! من سمح لك أن تكون عنوانًا لحياتي؟! كيف تجرأت أن تقتحم حياتي وتجعلني أعاني؟! من سمح لك أن تعبث بأحلامي وتقتلها؟ ألم تجد غير قلبي لتسكن وتستوطن فيه؟"
وكيف حوَّلها إلى "فتاة مستسلمة لك، تكتفي بمراقبة حياتها من بعيد".
ثم تنتقل بنا مروة إلى محطة الجرح في (جرح القلب صـ 89) وفيها تعمقت مروة وأبدعت وهي تصف بدقة شديدة وإحساس كبير كيف تشعر الأنثى حال طعن قلبها بخنجر الخيانة، فها هو الحبيب يعد ولا يفي، تقول: "ولكنك لم تفِ بوعودك! وعدتني أنني لن أتألم، وبيدك حفرت حروف الألم بقسوة على جدران قلبي، وعدتني أن عيوني لن تبكي، وكنت أنت سبب بكائها، وعدتني أنك ستعيش من أجلي ولن تتركني وحيدة، وتركت يدي التي تمسَّكت بك في منتصف الطريق، تركتني حائرة لا أستطيع الرجوع للبداية ولا أعرف طريق النهاية".
هذا عن جرح الخيانة، أمَّا عن جرح الخذلان وهدم جسر الثقة الذي يدمي القلوب، فنجد مروة قد وضعته تحت مجهر تأملاتها (بما أنها خريجة كلية العلوم بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف) في خاطرة (عرض مرفوض صـ 112).. تقول: "ألست انت من قال لي يومًا: أحبك؟ هل توقف حبك لي فجأة عند هذا الحد؟! هل مات حبك لي فجأة بالسكتة القلبية؟! أنسيت أنك وعدتني أنك لن تجعل قلبي يتألم؟ أتجعلني ملكة على عرش قلبك، ثم تريدني أن اكون أحد وزرائك المخلصين؟!"
نلاحظ هنا أن مروة ترفض عرضًا من حبيبها بعودة سفينة الحب إلى مرفأ الصداقة، كما قد رفضت سابقًا في خاطرة (لم نعد كما كنا صـ 74) أن يتحول صديقها إلى حبيب، كما أشرنا.. ومن يقرأ الخاطرتين لن يجد هناك تعارضًا أو تناقضًا في شخصية الكاتبة، أو في تأملاتها وإنما كل ما هنالك أن كلا الرفضين له أسبابه المنطقية التي تبرره.
الحب المغرور.. تعبير مدهش جديد، ربما لأول مرة يتم استخدامه
بالطريقة التي عبَّرت به مروة عن جبروت الحب، ووقوعنا تحت سيطرته مهما تمرَّدنا، وبخيالٍ رائع تأخذنا مروة إلى محاكمة القلب المتمرد للحب المغرور وللقلوب المتهورة التي صدقته وركبت سفينته الساحرة، في خاطرة (القلب المتمرِّد والحب المغرور صـ 98).. تقول على لسان القلب المتمرِّد أثناء المحاكمة: "تخدعهم بسعادة مؤقتة، فيصبحون مثل الطيور يحلِّقون في السماء بسعادة وفرح، وعندما يطمئنون لك، فتفاجئهم بعواصف قاسية، فتنكسر أجنحتهم ويسقطون جرحى في هاوية الألم، ولا تتركهم حتى تكمل مهمتك بزلزال يدفنهم تحت الأرض مع الأموات، فأنت مثل النجوم الساطعة في السماء تنير حياتهم بالسعادة والأمل، وبعد وقت قليل تنطفئ بخيبة الأمل واليأس.
تولد في قلوبهم بلا مقدمات وتجعلهم يحيون بك، وتموت في لحظة دون انتظار."
ولكن الحب المغرور يدافع عن نفسه قائلًا: "أنا أولد في قلوبهم مثل الطفل الصغير، هزيل ضعيف، أحتاج من يرعاني حتى أنمو وأشعرهم بالسعادة الأبدية، ولكنهم يظلمونني ويزيدون من ضعفي بتصرفاتهم وحماقتهم وصراعتهم التي ليس لها مبرر، ويتسببون بموتي.. هم ليسوا شهداء الغرام، هم يتألمون فقط، ولكن أنا من أموت، أنا الضحية".
شارفت هذه الرحلة الممتعة على الانتهاء، فها نحن نقف في آخر المحطات، محطة البحث عن النفس، عبر حوار مع الذات، قد تجدها، وقد تختلف معها، وفد تجد تناقضات عديدة، المهم في كل الأحوال أن تحب نفسك، وتصالحها، وتجيد التعامل معها، وقد اختارت مروة، بل وأصرت ان تظل كما هي، بكل مميزاتها وعيوبها وتناقضاتها.. (سأظل كما أنا صـ 119)، تقول: "سأظل كما أنا متناقضة في كل شيء؛ جريئة خجولة، واضحة غامضة، متمردة مسالمة، عنيدة مرنة، بريئة مشاغبة، حالمة واقعية، حنونة قاسية."
وأن تبقى مجرد فتاة "دموعها ليست نادرة ولكنها غالية".
تتكلم "بلغة غريبة صعبة" ولكن من يحبها "يستطيع أن يتعلمها".
تنهي مروة الرحلة –كما بدأتها- مع خربشات قلمها، الذي اعترفت أخيرًا أنه صديقها الوفي..، ولكن لحظات التأمل ستظل تتجدد بالتأكيد طالما في العمر بقية، وهذا ما يجعلنا ننتظر من مروة جزءًا -أو ربما أجزاءًا- آخرًا لها.
ثم تستضيف مروة "ضيف لطيف له أثر كبير في حياتنا" بناءًا على رغبة الكثير من الشباب في برنامج (لحظة صدق صـ 129)، أدعوكم لقراءته وعدم تفويته.
ملاحظات أخيرة..
*وجدت بين طيات هذا الكتاب ما هو أكثر من لحظات التأمل، فهو يحمل كذلك لحظات تمني.. أمنيات (بنوتة) في مقتبل العمر، تحلم بحب حقيقي صادق ولقاء فارس الأحلام، وزوج متفهم يكون طفلها الشقي وتوأم روحها، وتحلم كذلك بالأمومة.
*حنين مروة للطفولة يبدو واضحًا في كل خواطر الكتاب تقريبًا.
*تميل مروة للنهايات القاسية الحزينة.
*يمكننا تصنيف العمل على أنه أدب أنثوي.
*وأخيرًا.. اقتبس كلماتها عمل يحمله الكتاب.. تقول: " أفكار حياتية ومشاعر إنسانية فلسفية تثير بداخل كل من يقرأها الكثير من الأسئلة، المواقف، الذكريات.. والكثير من الأحاسيس والكلمات التي تحدث صخبًا بدواخلنا وتثقلنا برغبةٍ شديدة في التعبير عنها".


[a:مروة زهران|6450004|مروة زهران|http://www.goodreads.com/assets/nophoto/user/u_50x66-d9f6a4a5badfda0f69e70cc94d962125.png]



View all my reviews

28 فبراير 2013

Review: ما بين السطور حواديت


ما بين السطور حواديت
ما بين السطور حواديت by نهى الماجد

My rating: 3 of 5 stars



يضم الكتاب إحدى وثلاثون قصة قصيرة، تتراوح القصة ما بين صفحة (حديث عُزلة، حديث حرية، فترة راحة، هو وظله) إلى ثلاث صفحات (أطياف، في كونها المهجور).
تتوافر في المجموعة قواعد القصة القصيرة كفن أدبي يرتكز على سرد حدث ما بشكل مكثَّف دون حوار غالباً، عدا قصة واحدة (رسالة) فهي أقرب للخاطرة أكثر (من وجهة نظري).
(ما بين السطور حواديت) إن كان هذا هو عنوان المجموعة _وهو عنوان ممتاز_ فإننا سنجد أيضا بين تلك السطور أشياءاً أخرى غير الحواديت..، أحاسيس، أفكار، معان، تأملات، ولن نبالغ إذا قلنا وفلسفة خاصة بالكاتبة، بالإضافة إلى قليل من التجارب الذاتية.. تتبلور وتتشكل كل هذه الأشياء لتصنع الكاتبة لنا حواديت بنكهتها الخاصة وبأسلوبها المميز.. وفي السطور القادمة سنرى بعضاً من ملامح أسلوب (نهى الماجد).
تلعب (نهى) دور الراوي في كل قصص المجموعة، تتحدث عن أبطالها بضمير الغائب، ماعدا (خاطرة) رسالة التي تتحدث فيها بصيغة المتكلم..، وتعبر عن أحداثهم باستخدام فعل المضارع في أغلب قصص المجموعة.. وحتى في بدايات القصص نجدها تقول مثلاً.. يُسرع في خطواته، راح يتأملها كعادته، يُعيد قراءة ذكرياته، يجلس في الشرفة، تقود السيارة، تقيد جسده الأغلال، تتسارع نبضات قلبه، يلملم الشتاء بقاياه، ينظر إليهم كأنه يراهم، لا تكف عن الحديث، تنثر الشمس الغروب.. يتابع المشهد، يُلقى قلمه الرصاص، يبدو منهمكاً في عمله، تقف في خشوع.
لا تُدخِلنا (نهى) في الحدث مباشرة وإنما هناك دائماً مقدمة من أربعة أو خمسة سطور تحيكها (نهى) حول بطل قصتها ببراعة وبشيء من الغموض المغري للمتابعة، فهي تعرف هدفها جيداً وتحفظ كل التفاصيل في مخيلتها الخصبة منذ البداية، ثم تبدأ في نثر الخيوط وتأخذنا معها برفق خطوة بخطوة ودون أدنى إحساس بالملل أو التأفف حتى نصل للحظة الضوء والإشباع عبر سيل من الأحاسيس الصادقة التي تقفز من بين السطور لتدخل إلى القلب مباشرة.. إنه ذلك التناغم بين المُبدع والمُتلقي.
شعرت من خلال قراءتي للمجموعة أن (نهى) في حالة بحث دائم عن الآخر، عن التحرر والخلاص والسعادة والوَنس في إيجاد هذا الآخر.. وهو عندها ليس شخصاً بالضرورة.. قد يكون البحر أو المطر أو العزف أو الأرض..، أو شجرة أو قطة!.. بل والأغرب قد يكون الموت!..
وعندما لم يجد بطل إحدى قصصها الآخر أو بالأحرى لم يجد ما يبحث عنه فيه، بل وعلى العكس وجد فيه نقائصه قام بقتله!.. قصة (صراع).
ولنهى فلسفة خاصة في الموت.. فعلى الرغم من اعترافها بأن مواجهته بغيضة وتسبقه لحظات ألم، إلا أننا نراها تجده "يضع نهاية الألم والوحدة" كما في قصة (قصة قصيرة) وتارة أخرى تجد فيه الخلاص والتحرر.. تقول في قصة (طموح لم يُقتل): "تلك الأيام القليلة التي قضاها بالقرب من الموت علمته كيف تكون الحرية!".. وتقول في نفس القصة أيضاً: "مرحباً بالموت، مرحباً بالحرية!".. وتارة تجده ملاذاً أفضل للروح.. "الروح هناك ما هو أفضل في إنتظارها"..، لا تؤمن (نهى) برحيل الأشخاص بالموت وتؤكد أن الأغبياء فقط واليائسون هم من يفعلون.. فالروح باقية ولم يرحل سوى الجسد الفاني الذي "يستحقه هذا العالم الضئيل"، "ليس بالجسد وحده يبقى الإنسان حياً، لكن أكثرهم لا يعلمون"..، كما تؤمن كذلك بالتواصل الروحي وبعلاقة خاصة بين الأحياء والأموات.. "إنها تلك العلاقة الخاصة بين ساكن السماء، وساكن الأرض"..
وهنا نكتشف فلسفة أخرى لنهى.. حيث نجد هذا التنوع الثري في التواصل الروحي تأكيداً لفكرة البحث عن الآخر.. حيث نراه بين حبيبين (مساحة أكبر للحب، أطياف، وأحلام وراء النافذة)، ونراه بين الام ووليدها (حكاية ام، وقصة قصيرة) وبين الإبن والام (نداء متكرر)، وبين الصديقتين (إبتسامة غائبة)..،ثم هناك هذا التواصل الروحي بين الشخص والبحر، أو الشجرة، أو القطة، أو الأرض! كما في (أحاديث قارب، زيارة صامتة إلى وطن، أفكار صيفية، مخلوقات عاشقة).. على الترتيب.. ودائما عند (نهى) نكتشف أن هناك سبباً وراء هذا التواصل الروحي.. وهذا السبب إمّا الإحتياج للآخر المفقود أو الباقي بروحه أو الداعم على الإستمرار وعلى الحرية..، أو الشعور بالضعف الذي يدفع الشخص للبحث عن مصدر ليستمد منه قوته ويعوِّض به نقصاً ما أو خللاً في حياته، وغالباً نرى أن الآخر في هذه الحالة هو أيضاً ضعيف بنفس القدر ولكن ليس بنفس الكيفية، فالطرفان هنا ضعيفان وحدهما، ولكنهما أقوياء معاً فكلاهما يمنح القوة للآخر.
في رحلة البحث عن الآخر نتيجة الإحتياج والضعف نجد أن أبطال (نهى) غالباً يرحلون إلى مكانٍ ما أو بمعنى أدق يعودون إلى مكان طفولتهم الأولى (بكل ما يرمز له ذلك عن السعادة والراحة والأمان وعدم وجود ضغوط).. والبحث هناك عن نقائصهم المفقودة.
لنهى فلسفتها الخاصة كذلك في الحرية.. فهي دائمة البحث عنها..، وربما تجدها مع أبطالها في الموت كما أشرنا، أو ربما تجدها في المطر (أوقات نادرة،حديث عُزلة، وفترة راحة)، أو في الابتعاد عن الأرض واللجؤ إلى البحر (أحاديث قارب)، أو في العزف (لحن أخير)، أو في القرب من الله (رحلة إلى السماء).

الحب (بين رجل وامرأة) غير مكتمل الأركان دائما عند (نهى) ولا ينتهي بالإرتباط وإن حدث ينتهي بالرحيل (أطياف)، أو بالموت (أسباب أخرى للسعادة)، أو بالقتل (صراع)..، ونلاحظ أن هناك حنيناً ما لهذا الحب (في كونها المهجور، وجرأة متأخرة).
المرأة عند (نهى) تأخذ في الغالب أنماطاً إيجابية فهي.. مستقلة، عقلانية، قوية، متمردة، طموحة (أسباب أخرى للسعادة، و أطياف)..، "لا ترغب في أن تتسول فرحة أو دفئاً من أحد" (أفكار صيفية)..، ناضجة، صبورة، وتتحمل المسئولية (إبتسامة غائبة)..، مؤمنة، مثابرة، وفيَّة، عنيدة، حُرَّة، تملك الكبرياء والصلابة (رحلة إلى السماء، حكاية ام، قصة قصيرة، زيارة صامتة إلى وطن، في كونها المهجور، مساحة أكبر للحب، وغريزة)..
ولكنها في قصص مثل(جُرأة مُتأخرة، حينما كانت تروي الياسمين، هو وظله) نرى المرأة في أنماط سلبية مثل.. ضعيفة، مترددة، غير جريئة، يائسة، خيالية، وعصبية.


تؤمن (نهى) بحدوث المعجزات.. "إن المعجزات لم تمت لأن الله لا يموت".. لا شيء يقف أمام الله القادر طالما تتوجه إليه بالدُّعاء المخلص وبداخلك يقين أنه سبحانه وتعالى يستطيع.. (دعاء، أحلام وراء النافذة)

أخيراً أريد القول أنني قضيت وقتاً ممتعاً بين السطور وفي الحواديت.
-------------------
كل ما بين علامتي التنصيص هو منقول من الكتاب حرفياً



View all my reviews

25 سبتمبر 2012

Review: لحظات تأمل


لحظات تأمل
لحظات تأمل by مروة زهران

My rating: 3 of 5 stars



نستطيع أن نُصنِّف الكتاب على إنه مجموعة من الخواطر الناتجة عن تأملات مروة لمواقف ربما صادفت بعضها في حياتها وربما صادفتها في تجارب الآخرين.

وفي العموم سيجد كل من يقرأ هذا الكتاب نفسه في موقف من تلك المواقف..،
فمن منا لم يفرح أو يحزن أو يحب أو يفارق أو يشعر بالإغتراب!

كما نستطيع بثقة تصنيف الكتاب على إنه من الأدب الأنثوي أو النسائي.. فبرغم تشابه المواقف ومرور الرجل والمرأة بنفس الموقف تبقى تأملات مروة من منظور "بنوتة".. ويعبر عن رؤيتها الخاصة.

أسلوب مروة جميل في الكتاب.. واضح اعتمادها على اقتباسات لكبار الكتاب وهو شيء يُحسب لمروة لأنها استخدمت الاقتباسات بشكل دقيق ويخدم الموضوع.. كما أنه يدل على سعة إطلاع مروة وثقافتها.



الكتاب عجبني في مجمله.. جميل ومكتوب بصدق هيحس بيه القاريء.





View all my reviews

Translate